وهبة الزحيلي
21
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
المناسبة : حددت آية الكرسي ما يتصف به اللّه عز وجل من تفرد بالألوهية والملك والسلطان في السماوات والأرض ، والحياة ، والقيام بأمر الخلائق دون عناء ولا مشقة ، وإحاطة العلم بكل شيء ، فلا يصح بعدئذ أن يكون هناك إكراه على الدخول في الدين ؛ لأن الفطرة ، والمشاهدات الكونية ، والفكر السليم تهدي إلى الإيمان بوجود اللّه ووحدانيته والاقتناع بالإسلام دينا ومنهج حياة . التفسير والبيان : لا تكرهوا أحدا على الدخول في الإسلام ، فإن دلائل صحته لا تحتاج بعدها إلى إكراه ، ولأن الإيمان يقوم على الاقتناع والحجة والبرهان ، فلا يفيد فيه الإلجاء أو القسر أو الإلزام والإكراه ، كقوله تعالى : أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ يونس 10 / 99 ] . وقد بان طريق الحق من الباطل ، وعرف سبيل الرشد والفلاح ، وظهر الغي والضلال ، وأن الإسلام هو منهج الرشد ، وغيره طريق الضلال ، فمن شاء فليؤمن به ومن شاء فليكفر . وهذه الآية أوضح دليل على بطلان زعم أن الإسلام قام بالسيف ، فلم يكن المسلمون قبل الهجرة قادرين على مجابهة الكفار أو إكراههم ، وبعد أن تقووا في المدينة وعلى مدى القرون الماضية لم يكرهوا أحدا على الإسلام ، كما يفعل أتباع الملل الأخرى كالنصارى ، وقد نزلت هذه الآية في بداية السنة الرابعة من الهجرة ، حيث كان المسلمون أعزاء وأقوياء . ولم يلجأ المسلمون إلى الحرب أو الجهاد إلا لرد العدوان ، والتمكين من حرية التدين ، ومنع تعسف السلطة الظالمة الحاكمة من استعمال المسلمين حقهم في الدعوة