وهبة الزحيلي
204
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
والواقع أن التّقية نوعان بحسب نوع العدوّ : عدو في الدّين ، وعدوّ في الأغراض الدّنيوية كالمال والمتاع والإمارة . أما النوع الأول : فكل مؤمن وجد في مكان لا يقدر فيه على إظهار دينه ، وهذا يجب عليه الهجرة من ذلك المكان إلى مكان يستطيع إظهار دينه فيه . أما إن كان من المستضعفين وهم الصبيان والنساء والعجزة فيجوز له البقاء في ديار الكفر وموافقة الكافرين في الظاهر بقدر الضرورة ، مع السّعي في حيلة للخروج والفرار بدينه ، لقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا : فِيمَ كُنْتُمْ ؟ قالُوا : كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ، قالُوا : أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ، فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ ، وَساءَتْ مَصِيراً * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ، وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً [ النساء 4 / 97 - 99 ] . والموافقة حينئذ للكفار رخصة ، وإظهار ما في قلبه عزيمة ، فلو مات فهو شهيد ، بدليل ما روي أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال لأحدهما : أتشهد أن محمدا رسول اللّه ؟ قال : نعم ، ثم قال له : أتشهد أني رسول اللّه ؟ قال : نعم ، فتركه ؛ ثم دعا الثاني وقال : أتشهد أنّ محمدا رسول اللّه ؟ قال : نعم ، فقال له : أتشهد أني رسول اللّه ؟ قال : إني أصم ، قالها ثلاثا ، فضرب عنقه ، فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « أما هذا المقتول ، فقد مضى على صدقه ويقينه ، وأخذ بفضيلة فهنيئا له ، وأما الآخر ، فقبل رخصة اللّه ، فلا تبعة عليه » « 1 » . وأما النوع الثاني - وهو من كانت عداوته بسبب المال ونحوه ، فقد اختلف
--> ( 1 ) التلخيص الحبير : 4 / 103