وهبة الزحيلي
16
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
لا يعتريه نوم ولا يغلبه نعاس ؛ لأنه قائم بتدبير أمور خلقه آناء الليل وأطراف النهار . وهذه الجملة مؤكدة لما قبلها ، مقررة لمعنى الحياة والقيومية الدائمة الكاملة ، جاء في الصحيح عن أبي موسى قال : قام فينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأربع كلمات فقال : « إن اللّه لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل ، وعمل الليل قبل عمل النهار ، حجابه النور أو النار ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » . وجميع ما في السماوات وما في الأرض عبيده وفي ملكه ، خاضعون لمشيئته ، وتحت قهره وسلطانه ، كقوله تعالى : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ، لَقَدْ أَحْصاهُمْ ، وَعَدَّهُمْ عَدًّا ، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [ مريم 19 / 93 - 95 ] . وهذه الجملة مؤكدة أيضا لقيوميته وتفرده بالألوهية . ومن عظمة اللّه وجلاله وكبريائه أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة ، كقوله تعالى : وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى [ النجم 53 / 26 ] وقوله : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء 21 / 28 ] وقوله : يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ هود 11 / 105 ] وفي حديث الشفاعة : « آتي تحت العرش ، فأخر ساجدا ، فيدعني ما شاء اللّه أن يدعني ، ثم يقال : ارفع رأسك ، وقل تسمع ، واشفع تشفّع ، قال : فيحد لي حدا ، فأدخلهم الجنة » . وهذا دليل على انفراد اللّه بالملك والسلطان . واللّه محيط علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها ، ويعلم أمور الدنيا وأمور الآخرة ، كقوله إخبارا عن الملائكة : وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا ، وَما بَيْنَ ذلِكَ ، وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [ مريم 19 / 64 ] قال