الغزالي
7
إحياء علوم الدين
الغافل في اتباع شهواته . فهذا من جملة المصرين . وهذه النفس هي النفس الأمارة بالسوء الفرارة من الخير . ويخاف على هذا سوء الخاتمة ، وأمره في مشيئة الله . فإن ختم له بالسوء شقي شقاوة لا آخر لها ، وإن ختم له بالحسنى حتى مات على التوحيد فينتظر له الخلاص من النار ولو بعد حين . ولا يستحيل أن يشمله عموم العفو بسبب خفى لا نطلع عليه ، كما لا يستحيل أن يدخل الإنسان خرابا ليجد كنزا فيتفق أن يجده ، وأن يجلس في البيت ليجعله الله عالما بالعلوم من غير تعلم كما كان الأنبياء صلوات الله عليهم فطلب المغفرة بالطاعات كطلب العلم بالجهد والتكرار ، وطلب المال بالتجارة وركوب البحار . وطلبها بمجرد الرجاء مع خراب الأعمال ، كطلب الكنوز في المواضع الخربة ، وطلب العلوم من تعليم الملائكة . وليت من اجتهد تعلم ، وليت من اتجر استغنى ، وليت من صام وصلَّى غفر له . فالناس كلهم محرومون إلا العالمون ، والعالمون كلهم محرومون إلا العاملون ، والعاملون كلهم محرومون إلا المخلصون ، والمخلصون على خطر عظيم وكما أن من خرب بيته وضيع ماله ، وترك نفسه وعياله جياعا ، يزعم أنه ينتظر فضل الله بأن يرزقه كنزا يجده تحت الأرض في بيته الخرب ، يعد عند ذوي البصائر من الحمقى والمغرورين ، وإن كان ما ينتظره غير مستحيل في قدرة الله تعالى وفضله ، فكذلك من ينتظر المغفرة من فضل الله تعالى وهو مقصر عن الطاعة ، مصر على الذنوب ، غير سالك سبيل المغفرة ، يعدّ عند أرباب القلوب من المعتوهين والعجب من عقل هذا المعتوه ، وترويجه حماقته في صيغة حسنة ، إذ يقول . إن الله كريم ، وجنته ليست تضيق على مثلي ، ومعصيتى ليست تضره . ثم تراه يركب البحار ، ويقتحم الأوعار في طلب الدينار ، وإذا قيل له إن الله كريم ، ودنانير خزائنه ليست تقصر عن فقرك وكسلك بترك التجارة ليس يضرك ، فاجلس في بيتك فعساه يرزقك من حيث لا تحتسب فيستحمق قائل هذا الكلام ويستهزئ به ، ويقول . ما هذا الهوس ؟ السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة ، وإنما ينال ذلك بالكسب ، هكذا قدره مسبب الأسباب ، وأجرى به سنته ، ولا تبديل لسنة الله ولا يعلم المغرور أن رب الآخرة ورب الدنيا واحد وأن سنته لا تبديل