الغزالي

8

إحياء علوم الدين

لها فيهما جميعا . وأنه قد أخبر إذ قال * ( وأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ) * « 1 » فكيف يعتقد أنه كريم في الآخرة وليس بكريم في الدنيا . وكيف يقول . ليس مقتضى الكرم الفتور عن كسب المال ، ، ومقتضاه الفتور عن العمل للملك المقيم والنعيم الدائم ، وأن ذلك بحكم الكرم يعطيه من غير جهد في الآخرة ، وهذا يمنعه مع شدة الاجتهاد في غالب الأمر في الدنيا . وينسي قوله تعالى * ( وفي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وما تُوعَدُونَ ) * « 2 » فنعوذ باللَّه من العمى والضلال . فما هذا إلا انتكاس على أم الرأس ، وانغماس في ظلمات الجهل ، وصاحب هذا جدير بأن يكون داخلا تحت قوله تعالى * ( ولَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً ) * « 3 » أي أبصرنا أنك صدقت إذ قلت * ( وأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ) * « 4 » فارجعنا نسعى . وعند ذلك لا يمكن من الانقلاب ، ويحق عليه العذاب : فنعوذ باللَّه من دواعي الجهل والشك والارتياب السائق بالضرورة إلى سوء المنقلب والمآب بيان ما ينبغي أن يبادر إليه التائب إن جرى عليه ذنب إما عن قصد وشهوة غالية أو عن إلمام بحكم الاتفاق اعلم أن الواجب عليه التوبة ، والندم ، والاشتغال بالتكفير بحسنة تضاده ، كما ذكرنا طريقه . فإن لم تساعده النفس على العزم على الترك لغلبة الشهوة ، فقد عجز عن أحد الواجبين فلا ينبغي أن يترك الواجب الثاني ، وهو أن يدرأ بالحسنة السيئة ليمحوها ، فيكون ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا ، فالحسنات المكفرة للسيئات إما بالقلب ، وإما باللسان ، وإما بالجوارح . ولتكن الحسنة في محل السيئة ، وفيما يتعلق بأسبابها فأما بالقلب ، فليكفره بالتضرع إلى الله تعالى في سؤال المغفرة والعفو ، ويتذلل تذلل العبد الآبق ، ويكون ذله بحيث يظهر لسائر العباد ، وذلك بنقصان كبره فيما بينهم . فما للعبد الآبق المذنب وجه للتكبر على سائر العباد . وكذلك يضمر بقلبه الخيرات للمسلمين ، والعزم على الطاعات

--> « 1 » النجم : 39 « 2 » الذاريات : 23 « 3 » السجدة : 12 « 4 » النجم : 39