الغزالي
6
إحياء علوم الدين
تسويفه وتأخيره ، فربما يختطف قبل التوبة ، ويقع أمره في المشيئة . فإن تداركه الله بفضله وجبر كسره ، وامتن عليه بالتوبة ، التحق بالسابقين . وإن غلبته شقوته ، وقهرته شهوته ، فيخشى أن يحق عليه في الخاتمة ما سبق عليه من القول في الأزل ، لأنه مهما تعذر على المتفقه مثلا الاحتراز عن شواغل التعلم ، دل تعذره على أنه سبق له في الأزل أن يكون من الجاهلين ، فيضعف الرجاء في حقه . وإذا يسرت له أسباب المواظبة على التحصيل ، دل على أنه سبق له في الأزل أن يكون من جملة العالمين . فكذلك ارتباط سعادات الآخرة ودركاتها بالحسنات والسيئات ، يحكم تقدير مسبب الأسباب ، كارتباط المرض والصحة بتناول الأغذية والأدوية وارتباط حصول فقه النفس ، الذي به تستحق المناصب العلية في الدنيا ، بترك الكسل ، والمواظبة على تفقيه النفس . فكما لا يصلح لمنصب الرئاسة ، والقضاء ، والتقدم بالعلم ، إلا نفس صارت فقيهة بطول التفقيه ، فلا يصلح لملك الآخرة ونعيمها ، ولا للقرب من رب العالمين ، إلا قلب سليم صار طاهرا بطول التزكية والتطهير . هكذا سبق في الأزل بتدبير رب الأرباب ولذلك قال تعالى * ( ونَفْسٍ وما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها قَدْ أَفْلَحَ من زَكَّاها وقَدْ خابَ من دَسَّاها ) * « 1 » فمهما وقع العبد في ذنب ، فصار الذنب نقدا والتوبة نسيئة ، كان هذا من علامات الخذلان . قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ العبد ليعمل بعمل أهل الجنّة سبعين سنة حتّى يقول النّاس إنّه من أهلها ولا يبقى بينه وبين الجنّة إلَّا شبر فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النّار فيدخلها » فإذا الخوف من الخاتمة قبل التوبة وكل نفس فهو خاتمة ما قبله . إذ يمكن أن يكون الموت متصلا به ، فليراقب الأنفاس ، وإلا وقع في المحذور ، ودامت الحسرات حين لا ينفع التحسر الطبقة الرابعة : أن يتوب ويجرى مدة على الاستقامة ، ثم يعود إلى مقارفة الذنب أو الذنوب من غير أن يحدث نفسه بالتوبة ، ومن غير أن يتأسف على فعله . بل ينهمك انهماك
--> « 1 » الشمس : 7 ، 8 ، 9 ، 10