الغزالي

5

إحياء علوم الدين

فكل ذلك أدلة قاطعة على أن هذا القدر لا ينقض النوبة ، ولا يلحق صاحبها بدرجة المصرين . ومن يؤيس مثل هذا عن درجة التائبين ، كالطبيب الذي يؤيس الصحيح عن دوام الصحة ، بما يتناوله من الفواكه والأطعمة الحارة مرة بعد أخرى ، من غير مداومة واستمرار . وكالفقيه الذي يؤيس المتفقه عن نيل درجة الفقهاء ، بفتوره عن التكرار والتعليق في أوقات نادرة غير متطاولة ولا كثيرة وذلك يدل على نقصان الطبيب والفقيه بل الفقيه في الدين هو الذي لا يؤيس الخلق عن درجات السعادات ، بما يتفق لهم من الفترات ومقارفة السيئات المختطفات . قال النبي صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « كلّ بني آدم خطَّاؤن وخير الخطَّائين التّوّابون المستغفرون » وقال أيضا [ 2 ] « المؤمن واه راقع « 1 » فخيرهم من مات على رقعه » أي واه بالذنوب ، راقع بالتوبة والندم . وقال تعالى * ( أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ويَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ) * « 2 » فما وصفهم بعدم السيئة أصلا الطبقة الثالثة : أن يتوب ويستمر على الاستقامة مدة ، ثم تغلبه الشهوة في بعض الذنوب فيقدم عليها عن صدق وقصد شهوة ، لعجزه عن قهر الشهوة . إلا أنه مع ذلك مواظب على الطاعات ، وتارك جملة من الذنوب مع القدرة والشهوة . وإنما قهرته هذه الشهوة الواحدة أو الشهوتان ، وهو يود لو أقدره الله تعالى على قمعها ، وكفاه شرها . هذا أمنيته في حال قضاء الشهوة . وعند الفراغ يتندم ويقول . ليتني لم أفعله ، وسأتوب عنه ، وأجاهد نفسي في قهرها . لكنه تسول نفسه ، ويسوف توبته مرة بعد أخرى ، ويوما بعد يوم . فهذه النفس هي التي تسمى النفس المسولة . وصاحبها من الذين قال الله تعالى فيهم * ( وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً ) * « 3 » فأمره من حيث مواظبته على الطاعات وكراهته لما تعاطاه مرجو : فعسى الله أن يتوب عليه . وعاقبته مخطرة من حيث

--> « 1 » راقع : أي يهي دينه بمعصيته ويرقعه بتوبته من رقعت الثوب إذا رممته « 2 » القصص : 54 « 3 » التوبة : 102