الغزالي
4
إحياء علوم الدين
يسد طرقها على نفسه ، ويسعى مع ذلك في كسر شهوته بما يقدر عليه . فبه تسلم توبته في الابتداء الطبقة الثانية : تائب سلك طريق الاستقامة في أمهات الطاعات ، وترك كبار الفواحش كلها ، إلا أنه ليس ينفك عن ذنوب تعتريه ، لا عن عمد وتجريد قصد ، ولكن يبتلى بها في مجاري أحواله ، من غير أن يقدم عزما على الإقدام عليها . ولكنه كلما أقدم عليها لام نفسه وندم وتأسف ، وجدد عزمه على أن يتشمر للاحتراز من أسبابها التي تعرضه لها . وهذه النفس جديرة بأن تكون هي النفس اللوامة ، إذ تلوم صاحبها على ما تستهدف له من الأحوال الذميمة ، لا عن تصميم عزم وتخمين رأى وقصد . وهذه أيضا رتبة عالية ، وإن كانت نازلة عن الطبقة الأولى . وهي أغلب أحوال التائبين . لأن الشر معجون بطينة الآدمي قلما ينفك عنه . وإنما غاية سعيه أن يغلب خيره شره ، حتى يثقل ميزانه ، فترجح كفة الحسنات فأما أن تخلو بالكلية كفة السيئات ، فذلك في غاية البعد وهؤلاء لهم حسن الوعد من الله تعالى ، إذ قال تعالى * ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإِثْمِ والْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ ) * « 1 » فكل إلمام يقع بصغيرة ، لا عن توطين نفسه عليه ، فهو جدير بأن يكون من اللمم المعفو عنه . قال تعالى * ( والَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا الله فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ) * « 2 » فأثنى عليهم مع ظلمهم لأنفسهم ، لتندمهم ولومهم أنفسهم عليه . وإلى مثل هذه الرتبة الإشارة بقوله صلَّى الله عليه وسلم ، فيما رواه عنه علىّ كرم الله وجهه [ 1 ] « خياركم كلّ مفتّن توّاب » وفي خبر آخر [ 2 ] « المؤمن كالسّنبلة يفيء أحيانا ويميل أحيانا » وفي الخبر [ 3 ] « لا بدّ للمؤمن من ذنب يأتيه الفينة بعد الفينة » أي الحين بعد الحين
--> « 1 » النجم : 32 « 2 » آل عمران : 135