الشيخ محمد السبزواري النجفي
344
ارشاد الاذهان الى تفسير القرآن
56 و 57 - الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ . . . ففي يوم القيامة لا يملك أحد سواه شيئا لأن الحكم من فروع الملك فإذا لم يكن لأحد يومئذ نصيب في الملك لم يكن له نصيب في الحكم . ويومها يفصل بين المؤمنين والكافرين فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ يتنعّمون بعطاياه السنيّة خالدين فيها وَالَّذِينَ كَفَرُوا بنا وبالرّسل وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أنكروا دلائلنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ عذاب يهانون فيه ويحتقرون . 58 و 59 - وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا . . . أي الذين فارقوا أوطانهم ثم قتلوا في الجهاد أو ماتوا في ديار هجرتهم أو في الطريق وإنما قيد الهجرة بكونها في سبيل اللّه ، لأن المثوبة إنما تترتب على صالح العمل ، وإنما يكون العمل صالحا عند اللّه بخلوص النية فيه وكونه في سبيله لا في سبيل غيره من مال أو جاه أو غيرهما من المقاصد الدنيوية ، وبذلك يقيد أيضا قوله : ثم قتلوا أو ماتوا : أي قتلوا في سبيل اللّه أو ماتوا وقد اغتربوا في سبيله . لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وهو الجنة وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ بل لا رازق سواه بالحقيقة لأنه هو مسبّب الأسباب للحصول على رزقه لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ ليدخلنّهم الجنّة التي يرضونها ويحبّونها وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ عليم بأحوال الكفار وغيرهم ويمهل الكافر ويلطف بالمؤمن . 60 - ذلِكَ . . . أي أمر اللّه ذلك الذي ذكرنا وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ أي جازى من ظلمه بمثل ما ظلمه به وإنما سميت المجازاة عقابا لأنها تأتي بعد الفعل . ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ أي عاوده الظالم بالظلم لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ يعني المظلوم الذي بغي عليه إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ للمنتصر . وفيه إيحاء بأن العقاب وإيصال المكروه إلى الناس مبغوض في نظام الحياة ، غير أن اللّه سبحانه يمحو ما فيه من المبغوضية ويستر على أثره السيّئ إذا كان عقابا من مظلوم لظالمه الباغي عليه بمثل ما بغي عليه ، فيجيز له ذلك ولا يمنعه بالتحريم والحظر . 61 - ذلِكَ . . . أي المذكور من النّصر الإلهي للمظلوم على الباغي بِأَنَّ اللَّهَ أي بسبب أنه تعالى قادر على أن يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ أي يدخل كلّا منهما في الآخر بنقصان زمان كل واحد وزيادته على الآخر وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ مر معناه . 62 - ذلِكَ . . . أي اتّصافه بكمال القدرة والعلم بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ بسبب أنه تعالى هو الثابت في نفسه والواجب بذاته لذاته وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلها هُوَ الْباطِلُ أي ما يعبدونه من الأصنام هو زائل وزاهق وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ فهو في ذاته أعلى ممّن سواه وفي سلطانه أكبر ممّا عداه . فعلوّه تعالى بحيث يعلو ولا يعلى عليه وكبره سبحانه بحيث لا يصغر لشيء بالهوان والمذلة من فروع كونه حقا أي ثابتا لا يعرضه زوال وموجودا لا يمسه عدم . 63 و 64 - أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ . . . هذه الشريفة والآيات الثلاث بعدها جرت في بيان قدرته الكاملة وحكمته التامة فهو جلّت قدرته أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ فصارت الأرض مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ بالأعشاب والنباتات والأشجار ، لَهُ وهو مالك ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ وهو الْغَنِيُّ عن خلقه الْحَمِيدُ المحمود في كل شأنه .