محمد هادي معرفة

99

التفسير الأثري الجامع

ألا تسمع ما ذكر اللّه في كتابه : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ « 1 » . فما يمنعك أن لا تقاتل « 2 » كما ذكر اللّه في كتابه ! ؟ فقال : يا ابن أخي ، أعيّر بهذه الآية ولا أقاتل ، أحبّ إليّ من أن أعيّر بهذه الآية الّتي يقول اللّه تعالى : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها « 3 » . قال : فإنّ اللّه يقول : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ! قال ابن عمر : قد فعلنا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذ كان الإسلام قليلا ، فكان الرجل يفتن في دينه ؛ إمّا يقتلوه وإمّا يوثّقوه « 4 » ، حتّى كثر الإسلام فلم تكن فتنة ! فلمّا رأى [ الرجل ] أنّه لا يوافقه فيما يريد ، قال : فما قولك في عليّ وعثمان ؟ « 5 » قال ابن عمر : ما قولي في عليّ وعثمان ؟ أمّا عثمان فكان اللّه قد عفا عنه . وأمّا عليّ فابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وختنه « 6 » ، وأشار بيده . وقال : هو ذاك بيته أوسط بيوت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وفي رواية النسائي : « ولكن انظر إلى منزلته من نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ليس في المسجد غير بيته ، حيث ترون » « 7 » . [ 2 / 5287 ] وأخرج عن سعيد بن جبير ، قال : خرج إلينا ابن عمر ، فقال له رجل : كيف ترى في قتال الفتنة ؟ فقال : وهل تدري ما الفتنة ؟ كان محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقاتل المشركين ، وكان الدخول عليهم فتنة ، وليس كقتالكم على الملك . « 8 » يشير إلى ما خاضه ابن الزبير وآل أميّة في قتال دام لا شأن له

--> ( 1 ) الحجرات 49 : 9 . ( 2 ) أي ما يمنعك من الجهاد بأن لا تقاتل . قال ابن حجر : « لا » زائدة . وقد تقدّم تقريره في تفسير سورة الأعراف عند قوله : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ . ( فتح الباري 8 : 232 ) . ( 3 ) النساء 4 : 93 . ( 4 ) قال ابن حجر : إسقاط النون من غير جازم ولا ناصب ثابت في اللغة وشائع . ويروى بإثبات النون أيضا . ( فتح الباري 8 : 233 ) . ( 5 ) قال ابن حجر : يبدو أنّ السائل كان من الخوارج ، فإنّهم كانوا يتوالون الشيخين ويحطّون عثمان وعليّا ، فردّ عليه ابن عمر بذكر مناقبهما ومنزلتهما من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والاعتذار عمّا عابوا به عثمان من الفرار يوم أحد ، بأنّ اللّه عفى عنه . قال : وقد عابوه فراره يوم أحد ، وغيابه عن بدر وعن بيعة الرضوان . ( 6 ) الختن : زوج الابنة . ( 7 ) البخاري 5 : 157 . وصحّحنا الحديث وأكملناه على شرح ابن حجر في الفتح 8 : 233 . ( 8 ) البخاري 5 : 200 ، و 8 : 95 .