محمد هادي معرفة

385

التفسير الأثري الجامع

وهي - أيضا - من المسائل الّتي اختلفنا فيها مع أصحاب الاعتزال ، لزعمهم أنّ من شرط الإيمان هو العمل بالأركان « 1 » . فأخذوا من فروع أحكام الإسلام قيدا في ثبوت أصوله ، ومن ثمّ فإنّ المشروط والمقيّد بشيء ينتفي عند فقد شرطه أو قيده . قال القاضي : لأنّ الأمّة اتّفقت على أنّ ركعتي الفجر « 2 » من الدين ، وإذا ثبت أنّه من الدين ثبت أنّه من الإيمان ، لأنّ الدين والإيمان واحد ! « 3 » . قلت : الإيمان عندنا عبارة عن التصديق بالقلب والإقرار باللسان . أمّا فعل الطاعات واجتناب المعاصي ، فهو من آثار الإيمان المترتّبة عليه مع الالتفات إليه . ويختلف حسب اختلاف درجة الإيمان وقوّته ، كالعقل حسب درجاته في الكمال يؤثّر في اتّزان الإنسان في أفعاله واجتناب القبائح . فكما لا يصحّ أن يقال لكلّ مرتكب قبيح : إنّه فاقد للعقل إطلاقا ، كذلك لا يصحّ نفي الإيمان عن مرتكب المعصية إذا لم يكن عن جحود ! ومن ثمّ فإنّ الفاسق باق على إيمانه ، وهو الّذي يدعوه إلى التوبة والاستغفار ، ولو لاه لم يتب ولم يكن يؤوب . نعم إذا كان مرتكب الكبيرة جاحدا لحرمتها بما يرجع إلى إنكار قول الرسول وجحد رسالته - العياذ باللّه - لكان مرتدّا عن الإيمان وداخلا في حدّ الكفر ، وبذلك كان قد قطع حبل اللّه المتين ، الّذي اعتصم به عباده المؤمنون ، فلا آصرة تربطه مع اللّه سوى اللّجوء إلى حظيرة الإيمان . أمّا استحقاقه المذمّة والإهانة على ارتكاب المعصية ، فلا يتنافى مع استحقاقه الإجلال والتعظيم على ثباته على الإيمان ، لأنّهما جهتان مترتّبتان على عنوانين لا يمسّ أحدهما الآخر ، فيذمّ على جهة ويمدح على أخرى ، كما يقبّح إنسان على قبيحة ارتكبها ، ويستحسن فعله الآخر ، إذا كانا على جهتين وبعنوانين لا صلة بينهما !

--> ( 1 ) الإيمان عند أبي عليّ وأبي هاشم عبارة عن أداء الطاعات ، الفرائض دون النوافل واجتناب المقبّحات . وعند أبي الهذيل عبارة عن أداء الطاعات الفرائض منها والنوافل واجتناب المقبّحات . وقد اختاره قاضي القضاة . انظر : شرح الأصول الخمسة : 707 - 708 . ( 2 ) يعني نافلته حسب اختياره مذهب أبي الهذيل في كون النوافل من الإيمان . ( 3 ) شرح الأصول الخمسة : 708 .