محمد هادي معرفة

386

التفسير الأثري الجامع

وأمّا التساوي بين الدين والإيمان فلا موضع له ، بعد أن كان الدين عبارة عن مجموعة قوانين وأنظمة لتنظيم الحياة الفرديّة والاجتماعيّة في أكمل نظام كافل لسعادة الدارين . فليس الدين سوى الطريقة المستقيمة الّتي شرّعها اللّه تعالى ، ويجب على المكلّفين السير عليها تأمينا لسعادتهم المنشودة . أمّا الإيمان فهو نفس الاعتقاد باللّه وحده لا شريك له ، والتصديق برسوله فيما جاء به من عند اللّه . وغير خفيّ أنّ التصديق غير العمل ، وكان الدين هو العمل ! فرضيّة الإحباط في خطوات وبعد فالصحيح عندنا في مسألة الإحباط ومتفرّعاتها هو التفصيل التالي : 1 - صريح الكتاب العزيز : أنّ الموافاة على الإيمان شرط في قبول الأعمال الصالحة ، فلا مثوبة على حسنة مع الكفر والجحود . ولعلّ الحبط بشأن الكافر الجاحد الّذي يموت على جحوده إجماعيّ وفق نصّ الكتاب « 1 » : قال تعالى : يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً . وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً « 2 » . ولعلّ معترضا يقول : هلّا كان ذلك ظلما وتضييعا لصالح الأعمال ، ومخالفا لقوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ « 3 » ؟ ! قلنا : لا ظلم مع الاشتراط ، ويجوز عند العقل أن يكون استيفاء الأجر والمثوبة على الأعمال الحسنة ، مشروطا بوجود علائق العبوديّة بين العبد ومولاه . ولا يقطعها بالكفر والجحود والخروج ضدّ مولاه في طغيان عارم ! أمّا قوله تعالى : إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا « 4 » . وقوله : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ

--> ( 1 ) وهذا لا ينافي ما قدّمنا من جواز منح الكافر من مثوبات الحياة الأخرى ، إن كان مشى في حياته وفق فطرته ولم يحد عن طريقة العقل الحكيمة ، فيجازى على أعمال صالحة وحسنات قام بها من غير منّ ولا أذى . ( 2 ) الفرقان 25 : 22 - 23 . ( 3 ) الزلزلة 99 : 7 . ( 4 ) الكهف 18 : 30 .