محمد هادي معرفة
304
التفسير الأثري الجامع
الآخذة بالانهيار . فيعجّل له بالنصر والظفر على الأعداء ، ولأن يعودوا إلى رشدهم بعد ذلك الانكسار . فجاءهم الوعد : أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ . إنّها لتجربة عميقة جليلة ومرهوبة . وبحاجة إلى صبر ومقاومة عنيفة . ومن ثمّ فالنصر حليفهم لا محالة . وهذا الانطلاق هو المؤهّل للدخول في الرضوان في نهاية المطاف . وهذا هو الطريق كما يصفه اللّه للجماعة المسلمة الأولى ، وللجماعة المسلمة في كلّ جيل . وهذا هو الطريق : إيمان وجهاد متواصل ، ومحنة وابتلاء وصبر وثبات . وتوجّه إلى اللّه وحده ، ثمّ يجيء النصر ، ثمّ يجيء النعيم ، ويذهب البؤس والعناء . [ 2 / 5936 ] أخرج عبد الرزّاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن قتادة في قوله : أَمْ حَسِبْتُمْ . . . قال : نزلت في يوم الأحزاب ، أصاب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يومئذ وأصحابه بلاء وحصر ، فكانوا كما قال تعالى : وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ « 1 » « 2 » . [ 2 / 5937 ] وأخرج عبد الرزّاق عن معمر عن الزهري قال : لمّا كان يوم الأحزاب حصر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأصحابه بضع عشرة ليلة ، حتّى خلص إلى امرئ منهم الكرب ، وحتّى قال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كما قال ابن المسيب - : « اللّهمّ أنشدك عهدك ووعدك ، اللّهمّ إنّك إن تشأ لا تعبد » ، فبينا هم على ذلك أرسل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى عيينة بن حصن بن بدر : « أرأيت إن جعلت لك ثلث تمر الأنصار ، أترجع بمن معك من غطفان ، وتخذل بين الأحزاب ؟ » فأرسل إليه عيينة : إن جعلت لي الشطر فعلت ، فأرسل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى سعد بن عبادة وسعد بن معاذ ، فقال : « إنّي أرسلت إلى عيينة فعرضت عليه أن
--> ( 1 ) الأحزاب 33 : 10 . ( 2 ) الدرّ 1 : 584 ؛ عبد الرزّاق 1 : 332 / 250 ؛ الطبري 2 : 464 / 3234 ؛ ابن أبي حاتم 2 : 380 / 2004 ؛ الثعلبي 2 : 134 وعن السّدّي ؛ القرطبي 3 : 33 ، بلفظ : قال قتادة والسّدّي وأكثر المفسّرين : نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدّة والحرّ والبرد وسوء العيش وأنواع الشدائد ، وكان كما قال اللّه تعالى : وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ ؛ البغوي 1 : 272 ، عن قتادة والسّدّي ؛ مجمع البيان 2 : 68 ؛ التبيان 2 : 198 ؛ أبو الفتوح 3 : 182 .