محمد هادي معرفة

290

التفسير الأثري الجامع

وإن هو إلّا عقاب اللّه ، لمن يحيد عن منهجه ، ولا يستمع لدعوته : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً . وإنّ الإيمان الواثق لنعمة اللّه على عباده ، لا يبدّلها مبدّل حتّى يحيق به ذلك العقاب . والعياذ باللّه « 1 » . قوله تعالى : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وفي ظلّ هذا التحذير من التلكّؤ في الاستجابة ، والتبديل بعد النعمة ، يذكر حال الّذين كفروا ، وحال الّذين آمنوا ، ويكشف عن الفرق بين ميزان الّذين كفروا وميزان الّذين آمنوا للقيم والأحوال والأشخاص : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا بأعراضها الزهيدة واهتماماتها الصغيرة ، فوقفوا عندها لا يتجاوزونها ، ولا يمدّون بأبصار إلى شيء وراءها ، ولا يعرفون قيما أخرى غير قيمها . فالّذي يقف عنده حدود هذه الحياة الدنيا ، لا يمكن أن يسمو تصوّره إلى تلك الاهتمامات الرفيعة الّتي يحفل بها المؤمن ، ويمدّ إليها بصره في آفاقها البعيدة . إنّ المؤمن قد يحتقر أعراض هذه الحياة كلّها ، لا لأنّه أصغر منها همّة أو أضعف منها طاقة ، ولا لأنّه سلبي لا ينمي الحياة ولا يرقيها . ولكن لأنّه ينظر إليها من عل - مع قيامه بالخلافة فيها ، وإنشائه للعمران والحضارة ، وعنايته بالنماء والإكثار - فينشد من حياته ما هو أكبر من هذه الأعراض وأغلى ، ينشد منها أن يقرّ في الأرض منهجا . وأن يقود البشريّة إلى ما هو أرفع وأكمل ، وأن يركّز راية اللّه فوق هامات الأرض والناس ، ليتطلّع إليها البشر في مكانها الرفيع ، وليمدّوا بأبصارهم وراء الواقع الزهيد المحدود ، الّذي يحيى له من لم يهبه الإيمان رفعة الهدف ، وضخامه الاهتمام ، وشمول النظرة . وينظر الصغار المفارقون في وحل الأرض ، المستبعدون لأهداف الأرض ، ينظرون للّذين آمنوا ، فيرونهم يتركون لهم وحلهم وسفسافهم ومتاعهم الزهيد ، ليحاولوا آمالا كبارا لا تخصّهم وحدهم ، وإنّما البشريّة جمعاء . ومن ثمّ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا : كيف تركوا الخير العاجل لخير آجل . وزهدوا فيما

--> ( 1 ) في ظلال القرآن 1 : 308 - 309 .