محمد هادي معرفة

291

التفسير الأثري الجامع

بأنفسهم رغبة في النفع العام . لكن الميزان الّذي يزن به الكافر ، ليس هو الميزان . إنّه ميزان الأرض ، ميزان الكفر والنكران ، ميزان الجاهليّة العمياء . أمّا الميزان الحقّ فهو ميزان العقل الرشيد ، ميزان اللّه الّذي يزن الأمور وفق واقعها الثمين ، وفي آفاقها الفسيح . وبهذا الميزان جاء توزين القيم عند اللّه . ومن ثمّ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا كان التقوى رائدهم في الحياة فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فعند ذاك ترفع الستائر وتنكشف الحقائق ، فيعلم للذين آمنوا قيمتهم الحقيقيّة ، فليمضوا في طريقهم ، لا يحفلون سفاهة السفهاء . وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ واللّه يدّخر لهم ما هو خير وما هو أوسع من الرزق ، يهبهم إيّاه حيث يختار ، في الدنيا أو في الآخرة أو في الدارين ، وفق ما يرى أنّه خير لهم ، وهو المانح الوهّاب ، يمنح من يشاء ، ويفيض على من يشاء ، لا خازن لعطاياه ولا بوّاب يمنع المتقاضين . وهو قد يعطي الكافر زينة الحياة الدنيا ، لحكمة منه ، وليس له فضل فيما أعطي . وهو يعطي المختارين من عباده ما يشاء دنيا وآخرة ، لا شيء يحدّه أو يحجزه في عطاياه . فالعطاء كلّه من عنده ، واختياره للأخيار هو الأعلى والأبقى ، بلا أمد محدّد وإنّما هو حسبما يراه اللّه ويختار . [ 2 / 5903 ] أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا قال : الكفّار يبتغون الدنيا ويطلبونها وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا في طلبهم الآخرة . قال ابن جريج : لا أحسبه إلّا عن عكرمة قال : قالوا : لو كان محمّد نبيّا لاتّبعه ساداتنا وأشرافنا ، واللّه ما اتّبعه إلّا أهل الحاجة مثل ابن مسعود وأصحابه « 1 » . [ 2 / 5904 ] وقال مقاتل بن سليمان : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وما بسط لهم فيها من الخير ، نزلت في المنافقين عبد اللّه بن أبيّ وأصحابه وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا في أمر المعيشة بأنّهم فقراء ، نزلت في عبد اللّه بن ياسر المخزومي ، وصهيب بن سنان من بني تيم بن مرّة ، وبلال بن رباح مولى أبي بكر وخبّاب بن الأرت مولى ابن أمّ بهار الثقفي حليف بني زهرة ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ، وعبد اللّه بن مسعود ، وأبي هريرة الدوسي ، وفي نحوهم من الفقراء . يقول اللّه - عزّ وجلّ - : وَالَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك يعني هؤلاء النفر فَوْقَهُمْ يعني فوق

--> ( 1 ) الدرّ 1 : 581 ؛ الطبري 2 : 454 / 3217 ؛ ابن أبي حاتم 2 : 374 - 375 / 1973 - 1975 .