محمد هادي معرفة
268
التفسير الأثري الجامع
قال تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 208 إلى 209 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 208 ) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 209 ) وفي ظلال هاتين اللوحتين - اللتين عرضهما القرآن - لنموذج الإيمان الخالص ونموذج النفاق الفاجر ، يهتف بالجماعة المسلمة ، باسم الإيمان الّذي تعرف به ، للدخول في السلم كافّة ، فيستسلموا ذلك الاستسلام الّذي لا تبقى بعده بقيّة ناشزة ، من تصوّر أو شعور ، ومن نيّة أو عمل ، ومن رغبة أو رهبة ، لا تخضع للّه ولا ترضخ لحكمه وقضائه ، استسلام الطاعة الواثقة المطمئنّة الراضية . والمسلم حينما يستجيب هذه الاستجابة ، يدخل في عالم كلّه سلم وكلّه سلام ، عالم كلّه ثقة واطمئنان ، وكلّه رضى واستقرار ، لا حيرة ولا قلق ، ولا شرود ولا ضلال . سلام مع النفس والضمير ، سلام مع العقل والمنطق ، سلام مع الناس والأحياء ، سلام مع الوجود كلّه ومع كلّ موجود ، سلام يرفّ في حنايا السرائر ، وسلام يظلّل الحياة والمجتمع ، سلام في الأرض وسلام في السماء . قال سيّد قطب : « وأوّل ما يفيض هذا السّلام على القلب ، يفيض من صحّة تصوّره للّه ربّه ، ونصاعة هذا التصوّر وبساطته ، إنّه إله واحد . يتّجه إليه المسلم وجهة واحدة يستقرّ عليها قلبه ؛ فلا تتفرّق به السّبل ، ولا تتعدّد به القبل ؛ ولا يطارده إله من هنا وإله من هناك - كما كان في الوثنيّة والجاهليّة - إنّما هو إله واحد يتّجه إليه في ثقة وفي طمأنينة وفي نصاعة وفي وضوح . وهو إله قويّ قادر عزيز قاهر . فإذا اتّجه إليه المسلم فقد اتّجه إلى القوّة الحقّة الوحيدة في هذا الوجود . وقد أمن كلّ قوّة زائفة واطمأنّ واستراح . ولم يعد يخاف أحدا أو يخاف شيئا ، وهو يعبد اللّه القويّ القادر العزيز القاهر . ولم يعد يخشى فوت شيء . ولا يطمع في غير من يقدر على الحرمان والعطاء .