محمد هادي معرفة
267
التفسير الأثري الجامع
نفر من قريش ، فنزل عن راحلته وانتثل ما في كنانته ، ثمّ قال : يا معشر قريش قد علمتم أنّي من أرماكم رجلا ، وأيم اللّه لا تصلون إليّ حتّى أرمي بكلّ سهم في كنانتي ، ثمّ أضرب بسيفي ما بقي في يدي فيه شيء ، ثمّ افعلوا ما شئتم ، وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكّة وخلّيتم سبيلي ! قالوا : نعم . فلمّا قدم على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « ربح البيع ، ربح البيع ! » ونزلت : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ « 1 » . * * * قلت : والآية وإن كانت عامّة في ظاهر تعبيرها ، لتشمل كلّ مجاهد في سبيل اللّه ، باذل نفسه في سبيل مرضاته تعالي ، غير أنّ شأن نزولها قد يخصّ مناسبة ما ، وقد رجّح أصحاب النظر أنّها حادث ليلة المبيت ، والّتي باها اللّه بها ملائكته . فلا يتنافى وشمولها لمثل سريّة الرجيع وغيرها ، ممّا كان للمؤمنين موقف صلب تجاه غلواء أبناء الشياطين . ومنها موقف صهيب الشهم الجريء . أمّا كون نزولها بشأنه بالذات ، فهذا ممّا يتنافى وظاهر تعبير الآية ، وقد استنكره أصحاب النظر من المفسّرين . قال الشيخ أبو الفتوح الخزاعي الرازي : وهذا لا يصحّ ، لأنّ التعبير ب يَشْرِي نَفْسَهُ يفيد معنى « يبذل نفسه » المتّفق مع حادث المبيت ، حيث بذل علي عليه السّلام نفسه في سبيل مرضاة اللّه . أمّا صهيب فقد ابتاع نفسه وافتداه بالمال . فقد بذل ماله لخلاص نفسه ، وهذا وإن كان عملا جميلا وجليلا ، لكنّه غير مفاد الآية الكريمة بالذات « 2 » .
--> ( 1 ) الدرّ 1 : 575 - 576 ؛ الطبقات الكبرى 3 : 228 ؛ بغية الباحث للحارث بن أبي أسامة : 214 / 677 ، باب 2 ؛ ابن أبي حاتم 2 : 368 - 369 / 1939 ، وزاد : وروي عن أبي العالية والربيع بن أنس ، نحو ذلك ؛ الحلية 1 : 151 ؛ ابن عساكر 24 : 228 ، باب 2905 ؛ أسباب النزول للواحدي : 39 ؛ القرطبي 3 : 20 ؛ ابن كثير 1 : 254 ؛ الثعلبي 2 : 125 عن سعيد بن المسيب وعطاء ؛ البغوي 1 : 266 ؛ أبو الفتوح 3 : 157 - 158 . ( 2 ) أبو الفتوح 3 : 158 .