محمد هادي معرفة

180

التفسير الأثري الجامع

قال تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 200 إلى 203 ] فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ( 200 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 201 ) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 202 ) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 203 ) قد سبق أنّهم كانوا يأتون أسواق عكاظ ومجنّة وذي المجاز . وهذه الأسواق لم تكن أسواق بيع وشراء فحسب ، إنّما كانت كذلك أسواق كلام ومفاخرات بالآباء . ومعاظمات بالأنساب . قال سيّد قطب : ذلك حين لم يكن للعرب من الاهتمامات الكبيرة ما يشغلهم عن هذه المفاخرات والمعاظمات ! لم تكن لهم رسالة إنسانيّة بعد ينفقون فيها طاقاتهم في القول والعمل . ورسالتهم الإنسانيّة الوحيدة هي الّتي ناطهم بها الإسلام . فأمّا قبل الإسلام وبدون الإسلام فلا رسالة لهم في الأرض ، ولا ذكر لهم في السماء . ومن ثمّ كانوا ينفقون أيّام عكاظ ومجنّة وذي المجاز في تلك الاهتمامات الفارغة ، في المفاخرة بالآباء وفي التعاظم بالأنساب . أمّا الآن فقد أصبحت لهم بالإسلام رسالة ضخمة ، وأنشأ لهم الإسلام تصوّرا جديدا ، بعد أن أنشأهم نشأة جديدة . أمّا الآن فيوجّههم القرآن لما هو خير ، يوجّههم إلى ذكر اللّه بعد قضاء مناسك الحجّ ، بدلا من ذكر الآباء : فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً وهذا لا يعني : أن يذكروا اللّه مع ذكر الآباء . ولكنّه يحمل طابع التنديد ، ويوحي بالتوجيه إلى الأجدر الأولى . يقول لهم : إنّكم تذكرون الآباء حيث لا يجوز أن يذكر غير اللّه - سبحانه - ، فاستبدلوا هذا بذاك ، بل كونوا أشدّ ذكرا للّه ، وأنتم خرجتم إليه متجرّدين من الثياب ، فتجرّدوا كذلك من الأنساب . ويقول لهم : ذكر اللّه هو الّذي يرفع العباد حقّا ، وليس هو التفاخر بالآباء . فالميزان الجديد للقيم البشريّة هو ميزان التقوى