محمد هادي معرفة
181
التفسير الأثري الجامع
( التعهّد الإنسانيّ النبيل ) ميزان الاتّصال باللّه وذكره وتقواه « 1 » . ثمّ القرآن يزن مقادير الناس ومآلاتهم بهذا الميزان الجديد : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا : إنّما يبتغي حسن العاجلة الزائلة ويتغافل الحياة الباقية السعيدة في جنب اللّه . أَوْ من ثمّ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ أي حظّ ونصيب . فقد ورد أنّهم كانوا يقولون - عندما يأتون الموقف - : « اللّهمّ اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن » « 2 » . لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا . وهذا نموذج من الناس مكرور في الأجيال والأمصار ، النموذج الّذي همّه الدنيا وحدها ، يذكرها حتّى حين يتوجّه إلى اللّه بالدعاء ، لأنّها هي الّتي تشغله ، وتملأ فراغ نفسه ، وتحيط عالمه وتغلقه عليه . ذاهلا عن الحياة الأخرى كلّ الذهول . ومن ثمّ فقد يمنحهم اللّه بعض نصيبهم من الدنيا حيث رضوا بها ، واطمأنّوا إليها . ولكن لا نصيب لهم في الآخرة إطلاقا ، حيث لم تبد منهم رغبة فيها . ولا عرضة لغير طلب . * * * وهناك نموذج آخر من الناس ، أفسح أفقا ، وأكبر نفسا ، يرى من الدنيا والآخرة متلازمين ، وأنّ هذه الحياة القصيرة تستهدف حياة هي أوسع وأرقى وأدوم . حيث لقاء اللّه . يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ « 3 » . فلم تكن عمارة الأرض لوحدها الهدف من الحياة . وإنّما هي مشرعة إلى منهل عذب آخر رحيق : وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ « 4 » . ومن ثمّ فالرابح من جمع الدنيا مع الآخرة ، وطلب الحسنى في كلتا الدارين : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ . إنّهم يرغبون إلى اللّه في حسن حالهم في الدارين ، ولا يحدّدون نوع الحسنة ، بل يدعون اختيارها إلى المولى الكريم ، ومن ثمّ فلهؤلاء نصيب مضمون . أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا أي نتيجة أعمالهم الصالحة في هذه الحياة . وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ أي سريع الإجابة على قدر ما بذلوا
--> ( 1 ) في ظلال القرآن 1 : 289 - 290 . ( 2 ) يأتي الحديث عنه . ( 3 ) الانشقاق 84 : 6 . ( 4 ) العنكبوت 29 : 64 .