عبد الكريم الخطيب

614

التفسير القرآنى للقرآن

الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ » ليسا قيدا لعلم اللّه بالناس في حالتي نشأتهم من الأرض ، ووجودهم في بطون أمهاتهم ، وإنما هما ظرفان يشيران إلى هذين الوقتين اللذين يكون الإنسان فيهما ، في حال أشبه بالعدم ، إذا هو نظر إلى نفسه فيهما ، وقد صار كائنا عاقلا رشيدا ، يخاطب من اللّه ، ويتهيأ للدخول في عالم الحق والنور . . وقوله تعالى : « فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ » النهى عن تزكية النفس هنا ، ليس مرادا به الكفّ عن طلب ما يزكى النفس ، ويطهرها ، فالعمل على تزكية النفس ، وتطهيرها مما يخالطها من ذنوب وآثام ، هو أمر مطلوب دائما من كل إنسان يطلب الفلاح والنجاة ، كما يقول سبحانه : « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى » ( 14 ، 15 : الأعلى ) وكما يقول جل شأنه : « وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها » ( 7 - 10 الشمس ) فالمراد بالنهى عن التزكية في قوله تعالى : « فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ » - هو النهى عن الاطمئنان إلى النفس ، وعدّها مزكّاة مطهرة ، لا تحتاج إلى تزكية وتطهير . . فإن النفس التي خالصت تراب الأرض ، ولبست هذا الجسد الترابي ، لن تكون أبدا على حال كاملة من النقاء والطهر ، بل هي دائما في حاجة إلى زكاة وتطهير . . فلا تحسبوا أنفسكم مزكاة مطهرة . . بل هي دائما في حاجة إلى تزكية وتطهير . . فالنهي عن تزكية النفس هنا ، هو نهى عن إخلاء النفس من مشاعر الاتهام لها بالهوى ، والنظر إليها نظرة لا ترفعها إلى درجة الكمال ، وهذا من خداع النفس ، الذي يزين المرء سوء عمله ، ويريه من ذاته ، أنه أوفى على غاية الإحسان . .