عبد الكريم الخطيب

613

التفسير القرآنى للقرآن

بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ . . فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى » . هو تعقيب على قوله تعالى : « إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ » . . أي إنه - لعلم اللّه بكم أيّها الناس ، وبما فيكم من ضعف وعجز عن مغالبة بعض أهوائكم ، فإنه - سبحانه - قد أوسع لكم في رحمته ، وتجاوز عن الصغائر واللمم من ذنوبكم ، فإنكم مهما اجتهدتم في تحرّى الإحسان ، وفي الاحتفاظ بفطرتكم على نقائها وصفائها ؛ فلن تحققوا هذا ، وإن حققتم الكثير منه ، ولن تبلغوا الغاية ؛ وإن قاربتموها . . فالذين يدخلون منكم مدخل الإحسان ؛ ويحسبون في المحسنين ، لم يكن ذلك لهم ؛ وإنما كان بإحسان اللّه سبحانه وتعالى إليهم ، وتجاوزه عن الكثير من ذنوبهم . . وقوله تعالى : « إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ » . . إشارة إلى مقتضى هذه المغفرة الواسعة ؛ التي شمل بها بنى الإنسان ؛ إذ هم من نبات هذه الأرض ، ومن معطيات ترابها ، وليسوا من عالم النور . . فهم - والحال كذلك - لن يتخلصوا أبدا من ظلام المادة ، ولن يتحوّلوا إلى عالم الرّوح ، وهم في هذه الأجساد المخلّقة من الأرض ! وإنه لولا سعة مغفرة اللّه ، لما كان لإنسان أن يكون من المحسنين ، الذين يرتفع بهم إحسانهم إلى عالم الحقّ ، ولما كانوا من أهله ، يوم يقوم الناس لربّ العالمين . . وقوله تعالى : « وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ » . . معطوف على قوله تعالى : « إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ » . . فهذه حال أخرى من أحوال الإنسان ، تكشف عن ضعفه ، وأنه في يد العجز ؛ وأن يد اللّه سبحانه وتعالى ، هي التي أخرجته من هذا الضعف إلى القوة ، كما أن مغفرته الواسعة ، هي التي أخرجته من عالم التراب ، وألحقته بعالم الحقّ والنور . . فالظرفان : ( إذ ، وإذ ) في قوله تعالى : « هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ