عبد الكريم الخطيب

586

التفسير القرآنى للقرآن

وفي القسم بالنجم في حال هويّه ، وأفوله ، ووقوع هذا القسم على النبي وأنه ما ضلّ وما غوى ، كما يرى ذلك المشركون الضالون - في هذا إشارة إلى أمور : أولها : أن ظهور النبي - صلوات اللّه وسلامه عليه - كان في ظلمة ليل بهيم ، أطبق على العالم كله ، وأناخ بكلكله على الجزيرة العربية وأهلها ، وأن ظهوره هذا ، كان أشبه بالنجم القطبي ، الذي يرى منه المدلجون في الليل هاديا ، إذا هم رفعوا رؤوسهم إلى السماء ، ومدّوا أبصارهم إليه . . وثانيها : أن هذا النجم السماوي البشرى ، المثل في النبي ، والنور الذي معه - لم يهتد به ، في الدور المكىّ من الدعوة ، وإلى وقت نزول هذه السورة - إلا أعداد قليلة من الناس ، هم الذين رفعوا رؤوسهم إليه ، وطلبوا الهدى منه . . أما الكثيرة الكثيرة من المشركين ، فقد كانوا في نوم عميق ، تطرقهم فيه رؤى الأوهام ، وأضغاث الأحلام ! ! وأن هذا النجم الهادي يوشك أن يغرب عن أفقهم ، ويفوتهم الاهتداء به ، والتعرف على الوجه الصحيح الذي يسلكونه على درب الحياة . وثالثها : أن هذا النجم القطبي - وإن غاب عن الأعين - فإنه في حقيقته قائم في مقامه العالي ، حيث هو . . هكذا يراه أهل العلم . . وكذلك الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه - وإن غاب شخصه عن أعين الناس ، فإنه قائم في مقامه المكين ، من قلوب المؤمنين أبدا الدهر . ورابعها : أن النبي الكريم ، وإن ظهر في أول أمره نجما ، لا تكتحل بضوئه إلا العيون التي تطلبه ، فإن أمره بعد هذا سيعظم ، ويتحول إلى صبح مشرق ، يملأ العيون ، وينعش النفوس ، ويوقظ الأحياء . . ثم لا يلبث هذا النبي أن يطلع شمسا ينفذ شعاعها إلى الكائنات ، فيلبس المؤمنون به ، المتعرضون