عبد الكريم الخطيب

572

التفسير القرآنى للقرآن

بما أنعم اللّه به عليك بهذا الكتاب الذي بين يديك بكاهن ولا مجنون كما يتخرص بذلك المتخرصون ، ويفترى المفترون ، فيقولون فيك هذا القول الفاجر الآثم . . والكاهن : من يدعى التنبؤ بعلم الغيب ، وبما سيقع في مستقبل الأيام فالباء في قوله تعالى : « بِنِعْمَةِ رَبِّكَ » - للسببية ، كما في قوله تعالى : « قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ » ( 17 . القصص ) . قوله تعالى : « أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ » . هو إضراب عن مقولات المشركين في النبي ، بأنه شاعر ، أو كاهن ، وانتقال إلى مقولة أخرى يقولونها في النبي ، وهو قولهم « شاعر » . . فهم يلقون بهذه الأباطيل من غير أن يقوم عندهم دليل عليها ، وإنما هي رميات طائشة عمياء ، يلقون بها بلا حساب أو تقدير . . شأن من يحارب عدوّا متوهما ، فيرمى بكل ما يقع ليده إلى كل اتجاه ، فرارا من هذا الخطر المتوهم ، سواء أصابت هذه الرميات عدوّا ، أم صديقا . . وقوله تعالى : « نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ » هو أمنية من تلك الأماني التي يعيش بها المشركون مع النبي ، وتعلّة يتعللون بها ، وهي أن ينتظروا به موتا يختطفه من بينهم ، ويريحهم منه . . فتلك أمنية يتمنونها ، ويعلقون آمالهم بها . وقوله تعالى : « قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ » - هو ردّ على ما ينتظرون في النبي من موت يريحهم منه . . « تربصوا » أي انتظروا : « فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ » أي منتظر لما تأتى به الأيام فىّ وفيكم . . فالأمر في هذا على سواء بينهم وبينه ، إذ للموت حكم واقع عليهم وعليه . واللّه سبحانه وتعالى يقول : « وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ ؟ » ( 34 : الأنبياء ) ويقول سبحانه « إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ » ( 30 : الزمر ) .