عبد الكريم الخطيب
892
التفسير القرآنى للقرآن
قوله تعالى : « إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي » - هو تعقيب على قوله تعالى : « أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ » - أي إن كان إيمانكم هذا صادقا ، وكانت هجرتكم خالصة لوجه اللّه ، تريدون بها جهادا في سبيله وابتغاء مرضاته . . وفي هذا إلفات للمسلمين إلى هذا الإيمان الذي في قلوبهم ، وإلى تمحيصه من شوائب النفاق ، حتى يكون إيمانا حقّا . . فهذا الإيمان الحق من شأنه ألا يقيم بينكم وبين أعداء اللّه وأعداء المؤمنين مودة . . أما إذا كان إيمانكم على غير تلك الصفة ، فهو ليس الإيمان الذي خرج به النبي والمؤمنون من ديارهم ، وليس هو الإيمان الذي يجعل من المشركين عدوا للمؤمنين . . فهل أنتم مؤمنون حقا ؟ فإن كنتم مؤمنين حقا ، فلا تتخذوا عدوا اللّه وعدو المؤمنين أولياء . وفي التعبير عن إخراج المشركين للنبي والمؤمنين ، بالفعل المضارع الذي يفيد تجدّد الزمن حالا بعد حال ، للإشارة إلى أن المشركين ما زالوا على موقفهم من النبي والمؤمنين ، وأنه لو عاد النبي والمؤمنون إلى ديارهم بمكة لأخرجهم المشركون منها ، بما يلاحقونهم به من أذى وضر . . كما أن المشركين لم يزل هذا موقفهم من المؤمنين الذين كانوا في مكة ، ولم تتح لهم فرصة الهجرة لسبب أو لآخر . . ويحوز أن يكون قوله تعالى : « إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي » . يجوز أن يكون متصلا بقوله تعالى : « لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ » . . ويكون ما بينهما اعتراض يراد به الكشف عن وجه أعداء اللّه وأعداء المؤمنين ، وما يرمون به النبي والمؤمنين من أذّى متلاحق . . وقوله تعالى : « تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ »