عبد الكريم الخطيب

893

التفسير القرآنى للقرآن

هو استفهام إنكاري ، أي أبعد هذا الذي علمتم أو تعلمون من أمر القوم - أبعد هذا تسرون إليهم بالمودة ؟ أي تبادلونهم المودة في ستر وخفاء « وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ » . . فإنه لا يخفى على اللّه خافية في الأرض ولا في السماء : « سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ » ( 10 : الرعد ) وإن إسراركم هذه المودة لدليل على أنها أمر تنكرونه أنتم ، وينكره المؤمنون عليكم ، وإنه لو كان غير منكر لأعلنتموه . . فإخفاء هذه المودة التي بين بعض المؤمنين وبين المشركين شاهد على أنها مما يعاب على المؤمن ، ومما ينبغي ستروه وإخفاؤه ، وحسب الأمر شناعة ألا يكون له وجه يظهر به في الناس ، فإن ظهر كان فضيحة لصاحبه ! ! وقوله تعالى : « وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ » الضمير في « يفعله » يعود إلى هذا الإسرار المودة . . أي ومن يفعل هذا الإسرار بالمودة ، فقد ضل سواء السبيل ، لأن الإسرار بها - كما قلنا - دليل على نكرها وبشاعتها . . وإذا امتنع الإسرار بها ، فقد أصبح من المستبعد إعلانها إلّا إذا كان ذلك عن كفر صريح ، وردّة عن الإيمان . . فهذا شأن آخر غير شأن المؤمنين . قوله تعالى : « إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ » « إِنْ يَثْقَفُوكُمْ » : أي يظفروا بكم ، وينتصروا عليكم ، ومنه قوله تعالى : « فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ » ( 57 الأنفال )