عبد الكريم الخطيب
836
التفسير القرآنى للقرآن
المفسرون يكادون يكونون على إجماع بأن هذه الآية ناسخة للآية التي قبلها . . بمعنى أن تقديم الصدقة من المؤمن الذي يودّ مناجاة الرسول ، قبل أن يدخل في مناجاته ، والذي دعت إليه الآية السابقة - قد جاءت هذه الآية ناسخا له ، تخفيفا على الذين يودون مناجاة النبي . ويقولون لتعليل هذا النسخ ، إنه لما نزل قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً » . . شقّ ذلك على كثير من المؤمنين ، وضنّ كثير من الأغنياء بأموالهم أن يخرجوا منها صدقة عند مناجاة الرسول ، وبهذا قلّت تلك الأعداد الكثيرة التي كانت تسعى إلى مناجاة النبي ، فنزلت الآية : « أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ » فنسخت الآية التي قبلها ، وأبيح للمؤمنين مناجاة الرسول من غير صدقة يقدمونها بين يدي نجواهم ! ! ونحن على رأينا من أنه لا نسخ في القرآن ، وأنه لا نسخ في هذه الآية بالذات . . وذلك من وجوه . أولا : أن الصدقة التي دعى المؤمنون إلى تقديمها بين يدي نجواهم غير محددة المقدار ، ومن هنا كانت أىّ صدقة يقدمها المؤمن في هذا المقام مجزية له ، ولو كانت شقّ تمرة . . وإذن فليس في هذه الصدقة ما يشق على المؤمنين ، حتى يجئ الأمر بنسخ تقديم هذه الصدقة . وثانيا : ليس ما جاءت به الآية من الأمر بتقديم الصدقة - واللّه أعلم - أمرا ملزما ، يقع موقع الوجوب ، بل هو أمر للندب والاستحباب ، ولذلك علّل له بقوله تعالى : « ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ » . . ثم جاءت المجاوزة عنه عند عدم وجود الصدقة : « فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » .