عبد الكريم الخطيب
837
التفسير القرآنى للقرآن
وثالثا : قوله تعالى في الآية التي يقال إنها ناسخة : « أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ » - ليس معنى كلمة الإشفاق هنا الضنّ بالمال الذي ينفق في هذا الوجه ، وإنما هو الخوف من ألا يجد المؤمنون ما يتصدقون به في كل وقت يلقون فيه رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه . . وكثير منهم كان يلقى النبي كل يوم مرات كثيرة . . وخاصة صحابته الذين كانوا على اتصال دائم به ، كأبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلى ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبى عبيدة ، وطلحة ، والزبير ، وأبي هريرة وغيرهم . . فهؤلاء الصحابة الكرام وأمثالهم ، يشق عليهم أن يحجبهم عن الرسول حجاب في نهار أو ليل ، وكثيرا ما تكون الصدقة غير ممكنة لهم في كل حال . . فهم - والأمر كذلك - بين حالين : إما ، ألّا يلتقوا بالرسول حتى يقدموا بين يدي لقائهم صدقة . . وفي هذا إعنات شديد لهم ، وخاصة أن لقاءهم للنبي يتكرّر مرات في اليوم . . وقد لا يكون بين يدي أحدهم ما يقدمه من صدقة . . وإنه ليس بالذي يرضى نفس هؤلاء الصحابة الكرام أن يكون لقاؤهم للنبي من غير تقديم صدقة ، حيث يدخلون في حكم قوله تعالى : « فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » . . فإن ذلك - وإن كان يبيح لهم لقاء النبي ومناجاته من غير صدقة - إلا أنه يضعهم في موضع لا يحبونه ، ولا يرضونه لأنفسهم ، إنهم يطلبون أن يكونوا على أحسن أحوالهم في لقائهم للنبي ، وإنهم ليعدّون أنفسهم مقصّرين ، إذا هم التقوا بالرسول من غير تقديم الصدقة ، وإن كان ذلك متجاوزا لهم عنه ! . وإنه لكي يزول هذا الحرج من صدور الصحابة الذين لا يجدون الصدقة التي يقدمونها بين يدي مناجاتهم الرسول - جاء قوله تعالى : « أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ » . . وجاء لفظ الصدقات جمعا ، لا مفردا ،