عبد الكريم الخطيب

833

التفسير القرآنى للقرآن

وقوله تعالى : « يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ » . . هو إشارة إلى هذه المشاعر اليقظى ، وتلك الأحاسيس المرهفة ، التي ينبغي أن يكون عليها المؤمن ، فإنه بقدر ما يكون عليه المؤمن من هذه المشاعر وتلك الأحاسيس ، بقدر ما تكون منزلته في الإنسانية . . والإيمان من شأنه أن يربي هذه المشاعر ، وينمّى هذه الأحاسيس ، وبمقياس الإيمان ، تقاس هذه المشاعر وتلك الأحاسيس . . والعلم ، شأنه في هذا شأن الإيمان ، في رفع إنسانية الإنسان ، وإعلاء منزلته . . فالإيمان ، هو في حقيقته علم ، والعلم في حقيقته إيمان . . وإن إيمانا لا يقوم على علم ، هو إيمان هزيل باهت ، لا يؤثر أثرا ، ولا يطلع زهرا ولا ثمرا . . وإن علما لا يفتح للعقل والقلب طريقا إلى الإيمان ، ولا تنقدح منه شرارات مضيئة ، تضئ للإنسان طريقه إلى اللّه ، هو نار تحرق ، أو دخان يعمى العيون ، ويزكم الأنوف ، ويخنق الصدور . . وقد جمعت الآية الكريمة بين الإيمان والعلم ، وجعلت كلّا منهما صفة لموصوف ، كما يقول سبحانه : « يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ، وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ » ولم يجئ النظم هكذا : يرفع اللّه الذي آمنوا منكم وأوتوا العلم » . . وذلك أن من الناس من يبدأ الطريق بالعلم ، ثم يقوده هذا العلم إلى الإيمان . . ومنهم من يبدأ الطريق بالإيمان ثم ، يقوده الإيمان إلى العلم . فالمؤمن حقّ الإيمان . . عالم . . والعالم حقّ العلم . . مؤمن . . قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » .