عبد الكريم الخطيب
832
التفسير القرآنى للقرآن
القول هنا ليس بلسان المقال ، وإنما هو بلسان الحال . ومعنى هذا أنه إذا وجد المسلمون في مجلس ، ثم دعت الحال إلى أن يدخل عليهم غيرهم ، كان واجبا عليهم أن يفسحوا لهذا الغير ، وأن يسعوه في مجلسهم ، دون أن يقال لهم افسحوا . . فإن الانتظار إلى أن يقال لهم هذا القول لا يليق بالمؤمنين ، فذلك أمر لا يكون إلا عن طباع بليدة ، ونفوس جفّت مشاعر الإنسانية فيها . . وكذلك الشأن إذا دعت الحال إلى أن ينصرف أهل المجلس ، وأن يغادروا مجلسهم بعد أن يأخذوا حاجتهم منه ، فإن الجلوس بعد هذا مضيعة للوقت ، داعية إلى طرق أحاديث من اللغو ، والبعث بعد أن فرغ حديث الجد والنفع . . فليس هناك في تلك الحال قول يقال لأهل المجلس : أن انشزوا وانفضوا ، وإنما الحال نفسها هي التي تدعو إلى انفضاض المجلس . . وهذا من شأنه أن يقيم المؤمن على حال من الوعي واليقظة ، والالتفات الدائم إلى نفسه ، والتنبه إلى ما حوله من الناس والأحداث ، فلا يكون أبدا في حال من الذهول والتبلد ، بحيث لا يتحرك إلا بمهماز ، كما تتحرك الدواب البليدة بالسياط تنهال عليها . . وإذا أردنا أن نلتمس لهذا الخبر متأوّلا - على فرض صحته - فهو أن النبىّ صلوات اللّه وسلامه عليه ، لم يقل هذا القول إلا لجماعة من المنافقين ، كانوا يحضرون مجلس النبىّ ، ممن أشار إليهم سبحانه وتعالى بقوله : « وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً . . أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ » ( 16 : محمد ) - فكان قوله صلوات اللّه وسلامه عليه ، قم يا فلان ، وقم يا فلان - هو إشارة إلى هؤلاء المنافقين ، وفضحهم عند أنفسهم ، وخزيهم بين جماعة المسلمين التي دخلوا فيها متلصصين ، متربصين