عبد الكريم الخطيب
546
التفسير القرآنى للقرآن
المادة إلى عالم الروح ، الأمر الذي يرى فيه الناس بأرواحهم المطلقة من قيد المادة ، ما لم يكونوا يرونه في الحياة الدنيا . . وهذا يعنى أن اختلاف الرؤية للأشياء من حيث مطالعها ، ومن حيث الحواسّ والمشاعر المتعاملة معها ، والمتلقّية لها - هو الذي يرى الإنسان هذه التغيّرات التي يراها في نظام الوجود . . تماما ، كما يرى الإنسان الأشياء من خلال مجهر ، أو من خلال منشور زجاجى ، أو جسم شفاف ملون . . أو مرآة محدبة أو مقعرة . . ونحو هذا . . إنه يراها في كل مرة على صورة مخالفة لما كان يراها عليه من قبل بعينيه المجردتين ، وعلى صورة مباينة أيضا لما يراها عليه من خلال أي شئ من تلك الأشياء . . وهي هي لم تتغير ولم تتبدل ، وإن بدت أنها متغيرة متبدلة . . والذي يقول به بعض الحكماء والفلاسفة ، من أن الموجودات ، لا وجود لها في حقيقتها ، وإنما هي موجودة بفعل حواسنا ، وأنه لولا هذه الحواس ، لما كان لها وجود . . ويضربون لهذا أمثلة ، بأن فاقد البصر أصلا ينكر وجود النور ، كما أن فاقد حاسّة الشمّ يغيب من عالمه عالم المشمومات . . وقلّ مثل هذا في بقية الحواس ، من اللمس والذوق ، والسمع - نقول إن هذا الذي يقول به بعض الحكماء والفلاسفة ، يشير إلى شئ من هذا الذي نتحدث عنه من أن الاختلاف الذي يقع في حواسنا للموجودات ، بين ما نراه منها في الدنيا ، وما نراه منها في الآخرة هو من عمل حواسنا ، وإن كنا نخالفهم فيما يذهبون إليه من إنكار الموجودات أصلا . . فإن إنكار هذه الموجودات يستلزم - تبعا لهذا - إنكار وجودهم هم أنفسهم ، وإنكار هذه المقررات التي يقررونها . . فإن فقد العضو أو فقد وظيفته لا يستتبع فقد