عبد الكريم الخطيب
794
التفسير القرآنى للقرآن
ذلك قوله تعالى : « فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ » . . أي فآتينا الذين رعوا هذه الرهبانية حق رعايتها - آتيناهم أجرهم كاملا ، وهم قليل . . أما أكثرهم فقد خرج عن هذا الطريق القويم ، ولم يرع حق هذا العمل المبرور ، الذي كانت غايتهم بإلزام أنفسهم إياه ، ابتغاء فضل اللّه ، وطلب المزيد من إحسانه . . وهذا يشير إلى أن الرهبانية أكثر من أن تحتملها النفوس البشرية ، ولهذا فإنها لم تكن من شريعة اللّه ، فلما شرعها الناس لأنفسهم ، وعقدوا مع اللّه تعالى عهدا على مراسم خاصة بها - لم يطيقوا الوفاء بهذه المراسم ، مع اتخاذهم الرهبنة زيّا . . فكان ذلك نقضا لعهد اللّه ، وخيانة للأمانة التي ألزموا أنفسهم إياها ، رياء وخداعا للناس . والمعنى ، أن اللّه سبحانه قفّى أي أرسل ، وبعث ، بعد هذين النبيين الكريمين - نوح وإبراهيم - برسل كثيرين ، ثم أرسل بعد هؤلاء الرسل عيسى ابن مريم ، وآتاه الإنجيل ، وجعل في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ، إذ كانت دعوته عليه السلام ، قائمة على الموادعة والمحبة والسلام . فالرأفة والرحمة التي جعلها اللّه سبحانه في قلوب المستجيبين لدعوة السيد المسيح ، إنما هي أثر من آثار هذه الدعوة التي أرسله اللّه سبحانه وتعالى بها ، فمن لم تسكن قلبه الرأفة والرحمة ، فليس من أتباع المسيح في شئ . . إنها دعوة أرادها اللّه سبحانه وتعالى ليكون من أتباعها جنود فداء وتضحية في مقام البذل والعطاء من ذات أنفسهم لهذا المجتمع الإنسانى الذي تغلى فيه مراجل الأنانية والأثرة ، ويتقاتل فيه الناس بالمخالب والأنياب ، كما تتقاتل الحيوانات المفترسة