عبد الكريم الخطيب
789
التفسير القرآنى للقرآن
المحاربين للّه ولرسله . . والحديد أيضا هو هذا الخير الكثير الذي تتلقاه النفوس المهيأة للإيمان من آيات اللّه وكلماته المنزلة على الرسل . . وهذا لا يمنع من أن تبقى للحديد صفته المادية التي يعرف بها ، فيتخذ منه فيما يتخذ أدوات الحرب للجهاد في سبيل اللّه ، وأنه كما يجاهد الرسل والمؤمنون معهم ، أعداء اللّه بألسنتهم ، فإنهم يجاهدون بأيديهم ، ويدفعون بغيهم وعدوانهم بسيوفهم . وقدّم ما في الحديد من بأس شديد على ما فيه من منافع ، لأن أكثر ما تنجلى عنه دعوة رسل اللّه ، هو هلاك الأكثرين ، ونجاة القليلين . كما يقول سبحانه عن دعوة نوح عليه السلام : « وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ » ( 40 : هود ) وكما يقول سبحانه مخاطبا النبي الكريم . « وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ » ( 103 : يوسف ) . قوله تعالى : « وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ » - هو معطوف على قوله تعالى « لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ » . . فهو تعليل آخر يكشف عن وجه ثان من وجوه الحكمة في بعثة الرسل ، وما يضع اللّه سبحانه وتعالى في أيديهم من معجزات ، وما ينزل عليهم من آياته وكلماته . . والحكمة الأولى من بعثة الرسل هي هداية الناس ، وإقامتهم على طريق الحق والعدل . . والحكمة الثانية ، هي أن تنكشف بدعوة الرسل أحوال الناس ، وما يكونون عليه من إيمان وكفر . . فيحاسب كل بما انكشف منه ، وإنه لا حساب ولا جزاء إلا عن ابتلاء واختيار . . فقوله تعالى « وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ ، بِالْغَيْبِ » - بيان لما ينكشف عنه أمر الناس من دعوة رسل اللّه إليهم ، فعلى ضوء هذه الدعوة يعرف من هم