عبد الكريم الخطيب
783
التفسير القرآنى للقرآن
قوله تعالى : « لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ » . . الأسى : الحزن على فائت ، والأسف . أشد من الحزن . والتعليل هنا هو معلول لمحذوف ، يفهم من سياق الآية السابقة ، وتقديره أننا قد بينا لكم حقيقة ما يصيبكم ، وأنه قدر مقدور عليكم في كتاب - اللّه بيّنّا لكم هذا لكيلا تأسوا على ما فاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم ، إذ كان ذلك كله ، من عند اللّه ، الذي يملك كل شئ . . وهو سبحانه المتصرف في ملكه كيف يشاء ، لا معقب لحكمه . . وإذ كان ذلك كذلك ، فإن من شأن المؤمن باللّه أن يرضى الرضا المطلق بكل ما يصيبه من محبوب أو مكروه . . فالإيمان ، ولاء ، ورضى ، وتسليم ، وإنه لا يجتمع إيمان واعتراض على حكم أحكم الحاكمين ، رب العالمين . . وذلك هو عزاء المؤمن عند كل مصيبة ، وروح نفسه عند كل كرب . . وهو لطف من لطف اللّه بعباده المؤمنين ، الذين تخفّ عندهم المصائب ، ويستساغ لديهم طعم المكاره . أما غير المؤمنين ، أو من في قلوبهم مرض من المؤمنين ، فإن وقع المصائب عليهم أليم ، ونزول المكاره بهم بلاء لا يحتمل . . وهذا من العقاب المعجّل في الدنيا لمن لا يؤمنون باللّه . . فإن أي مكروه يصيبهم في الدنيا - وهيهات أن يسلم أحد من مكارهها - يقطع نفوسهم حسرة ، ويملأ قلوبهم كمدا . هذا في مقام المكروه ، أما في مقام المحبوب ، فإن المؤمن إذا أصابه خير ، ولبسته نعمة ، لم يحمله ذلك على الزهو والاختيال ، ولم ينظر إلى ما أصابه من