عبد الكريم الخطيب
784
التفسير القرآنى للقرآن
فضل - إلّا على أنه ابتلاء من اللّه ، وأنه مطالب بحقّ الشكر على ما أنعم به عليه ، كما يقول سبحانه على لسان سليمان عليه السلام : « هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ » ( 40 : النمل ) وأما غير المؤمن ، أو المؤمن الذي في قلبه مرض ، فإن النعمة التي تقع ليده من عند اللّه ، تفتح له طرقا إلى الاستعلاء والزهو ، فيخيل إليه أن ذلك لمزيّة فيه ، ولتفرده بصفات ليست لغيره ، وأنه بهذا مالك أمر نفسه ، قادر على أن يملك أكثر مما ملك ، ويبلغ من الحياة والسلطان أكثر مما بلغ . . فلا يرضى بما أصاب ، ولا يقنع بما حصّل ، ولو ملك الدنيا جميعا . . وقوله تعالى : « وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ » - إشارة إلى أن هذا الذي لا يضيف وجوده إلى اللّه ، ولا يقف بالنعم التي يسوقها اللّه إليه في محراب الحمد والولاء للّه - هو في معرض التعرض لسخط اللّه وغضبه ، وحسبه بهذا شقاء وبلاء . قوله تعالى : « الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ » . هو بدل من قوله تعالى : « وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ » . فإن من شأن المختال المعجب بنفسه ، الفخور بما في يده ، أن يضن بماله الذي لا يرى لأحد فيه حقّا ، لأنه - كما يعتقد باطلا - يرى أن ذلك من كسبه ، ومن معطيات تدبيره وحوله ، ثم إنه لا يقف عند هذا ، بل سرعان ما يتحول إلى داعية من دعاة الإمساك عن الإنفاق في سبيل اللّه ، ليقوّى بذلك موقفه ، ويدعم جبهته ، فإن أهل الضلال إنما يأنسون بإخوانهم ، ويتقوّون بالإكثار من أمثالهم ، مثلهم في هذا كمثل الشيطان إذ ضل وغوى ، فكان دعوة للغواية والضلال .