عبد الكريم الخطيب

782

التفسير القرآنى للقرآن

قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ » . أي أنه ما حدث حدث في الأرض ، أو لإنسان من الناس ، إلا كان ذلك أمرا مقدورا في كتاب الله ، من قبل أن يقع هذا الأمر ، ويأخذه مكانه في الأرض ، أو في حياة الناس . . وقوله تعالى : « نَبْرَأَها » أي نخرجها من عالم الخفاء إلى عالم الظهور . . ومن أسمائه سبحانه « البارئ » الذي برأ الوجود أي أوجده . . وفي التعبير عن وقائع الأمور وأحداثها بأنها « مصيبة » - إشارة إلى أن المكاره هي التي تلفت الناس أكثر من غيرها ، وأنها هي التي تثير تساؤلاتهم ، وتشغل أفكارهم . . أما مواقع النعم والإحسان فقلّ أن يلتفت الناس إليها ، وإن التفتوا إليها أضافوها إلى أنفسهم ، واعتبروها من كسب أيديهم وأن كثيرا منهم من يقول - بلسان الحال أو لسان المقال - قولة قارون : « إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي » ( 78 : القصص ) والمخاطبون بهذا ، هم أولئك الذين دعوا إلى المبادرة إلى الإيمان ، والسعي حثيثا إلى اللّه ، وإلى ابتغاء مرضاته وهم عاكفون على متاع الحياة الدنيا ، وشهواتها - فهؤلاء يقفون من الإيمان باللّه ، موقف فتور ، وتخاذل . . ففي إيمانهم دخل ، ومن هنا فإنهم يرون ما يقع بهم من مكروه ، هو من المصائب التي تملأ نفوسهم سخطا ، فلا يستسلمون لأمر اللّه ، ولا يرضون بما حكم به فيهم . . فقوله تعالى : « ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها » - هو خطاب للناس عامة ، وللمؤمنين باللّه خاصة ، ولهؤلاء الذين في قلوبهم مرض على وجه أخص . .