عبد الكريم الخطيب

710

التفسير القرآنى للقرآن

إليهم ملئوا لكل كأسه الذي يشرب منه ، ولم يجيئوا إليهم بها مملوءة جميعها مرة واحدة . . ومثل هذا قوله تعالى : « وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا » ( 17 : الإنسان ) وقوله سبحانه : « يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ » ( 23 : الطور ) . قوله تعالى : « لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ » أي لا يصيبهم من شرب هذه الخمر ما يصيب شاربي خمر الدنيا من صداع ، إذا جاوز الشارب قدرا معينا منها . . فهذه الخمر التي تقدّم لهؤلاء السابقين المقربين ، لا يصيبهم منها هذا الصداع مهما شربوا منها ، ومهما علّوا ونهلوا . وقد ضمّن « يصدّعون » معنى الفعل « يصرفون » من غير أن يزايله المعنى الأصلي الذي له ، وهو الصداع . . والمعنى أنهم لا يصرفون عن هذه الخمر بسبب صداع يصيبهم منها . . وهذا إعجاز من إعجاز النظم القرآني . وقوله تعالى : « وَلا يُنْزِفُونَ » أي لا يستهلكون لذتهم فيها يشرب ما يشربون منها ، كما يحدث ذلك لشارب خمر الدنيا . . حيث تذهب لذة مدمنها بعد قدر محدود منها ، بل إن لذتهم باقية أبدا ، وإن ظلوا في شرب دائم لا ينقطع . وهذا هو بعض الفرق بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة . فإن نعيم الدنيا - أو ما يسمى نعيما - إذا ناله المريء وأخذ منه حاجته ، زهد فيه ، وأصبح أىّ قدر يناله منه بعد هذا ، مبعثا للألم ، بل وضربا من العذاب . . أما نعيم الجنة ، فإن لذته لا تنفد أبدا ، ولا تنقطع شهوة المتصل به على امتداد الأزمان والآباد . . بل إنه كلما ازداد تناولا للشئ تجددت له لذات جديدة معه . . قوله تعالى : « وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ » . .