عبد الكريم الخطيب
502
التفسير القرآنى للقرآن
فقدت روحها ، وإن لم تفقد حياتها . . ومن هنا نستطيع أن نفهم قول الرسول الكريم : « الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » . . فهذا يعنى أن الروح قد تخلصت بالموت تخلصا تاما من الجسد ، وخرجت بوجودها كلية من سجنه المطبق عليها ، وعندئذ بحد الإنسان وجوده كاملا . . فالإنسان في حقيقته روح ، وما الجسد إلا منزلا نزلته الروح في مرحلة من مراحل السفر في هذا الوجود ! ومن هنا نستطيع أيضا أن نلمح أن البعث بالروح لا بالجسد . . . ولهذا مبحث خاص سنعرض له - إن شاء اللّه ! فالذين يستخفون بالنوم ، ويمدونه ضرورة من الضرورات الثقيلة المفروضة على الطبيعة البشرية ، ويحسبونه داء من تلك الأدواء التي تلحق الإنسان ، وتطغى على وجوده ، كالطفولة ، والشيخوخة - هؤلاء مخطئون أشد الخطأ ، إما لجهلهم ، الذي يقصر بهم عن إدراك ما لا تلمسه أيديهم ، وتذوقه أفواههم ، وإما لأنهم ماديون ، لا يرون إلا المادة ، ولا يتعاملون إلا بها ، ولا يجدون في الإنسان إلا أنه حيوان ، مخلف بهذا الخلاف المادي من العظم واللحم ! وإذا كان « النوم » - على ما رأيت - نعمة جليلة ، فإن اللّه سبحانه وتعالى ، قد جعل الليل الذي هو الظرف الطبيعي للنوم - نعمة جليلة أيضا ، كما يقول سبحانه : « قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ . . مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ » ( 72 : القصص ) . . فالليل ، ستار يغشى الكائنات الحية ، ومنها الإنسان ، فيسلمها ذلك إلى السكن ، ثم النوم ! . إن لليل سلطانا قاهرا كسلطان النهار على الأحياء . . هذا النوم ، وذاك