عبد الكريم الخطيب
667
التفسير القرآنى للقرآن
وفي قوله تعالى : « وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً ، - إشارة إلى مبادرة هؤلاء المستخفّين بالحرمات ، إلى الخروج من ديارهم ، وتسليمها ليد طالبيها منهم ، دون إمهال أو تلبث ، . . وحسبهم أن ينجوا بجلدهم ! ! فهؤلاء الذين فتنوا في دينهم ، بموقفهم المتخاذل في مواجهة العدو ، ثم فرارهم من ميدان المعركة ، وخروجهم من دينهم في غير تردد ، هم أنفسهم أولئك الذين ينزلون عن ديارهم ، ويخرجون منها في غير تردد أو تلبث أيضا . . وهكذا الإنسان ، في موقفه من حرماته . . إن من يفرط في أي حرمة من الحرمات ، هو مستعد للتفريط فيها كلها . . إنّ الحرمات ، هي كيان واحد ، وإن تعددت صورها ، وأشكالها . . قوله تعالى : « وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا » . . أي أن هؤلاء الفارين من ميدان القتال ، قد نقضوا عهدهم الذي عاهدوا اللّه عليه من قبل ، حين دخلوا في دين اللّه . . وهذا العهد ، هو أن يطيعوا اللّه والرسول ، وأن يجاهدوا في سبيل اللّه ، وألّا يولّوا الأدبار . . وفي هذا يقول اللّه تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ » ( 15 - 16 : الأنفال ) . . فهذا هو عهد اللّه الذي أخذه على المؤمنين ، وقد دخلوا في دين اللّه على هذا العهد . . وفي قوله تعالى : « وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا » - إشارة إلى أن عهد اللّه أشبه بكائن حىّ مجسد ، وأنه يقوم في الناس مقام الرسول المبلّغ عن ربه . .