عبد الكريم الخطيب
668
التفسير القرآنى للقرآن
ولهذا فهو يسأل عمن أوفى به ، ومن نكث ، كما يسأل الرسل عمن آمن بهم ومن كفر ، كما يقول اللّه تعالى : « يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ » ( 109 : المائدة ) . . وفي هذا تعظيم لعهد اللّه ، وما ينبغي أن يكون له في الناس من إكبار وإجلال . قوله تعالى : « قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا » . هو قطع لتلك الآمال الكاذبة التي يعيش فيها أولئك الذين فروا من ميدان القتال ، ظانّين أن ذلك يحفظ عليهم حياتهم ، ويرد غائلة الموت عنهم . . وهم في هذا مخدوعون ، قد غطّى على أبصارهم حبّ الحياة ، حتى لقد أنساهم ذلك ، تلك الحقيقة الماثلة أمامهم ، وأنهم مقضى عليهم بالموت المحكوم به على كل حي . . فهذا الفرار من الموت - على أي صورة من صوره ، حتفا ، أو قتلا - إلى أين ينتهى بهم الطريق الذي يركبونه فارين منه ؟ إنه منته بهم إلى الموت حتما . . إن لم يكن اليوم فغدا ، أو بعد غد . . إنه آت لا شك فيه ، طال الطريق أم قصر . . واللّه سبحانه وتعالى يقول : « قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ » ( 8 : الجمعة ) ويقول سبحانه : « أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ » ( 78 : النساء ) . وفي قوله تعالى : « مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ » بيان للصورة التي يقع عليها الموت ، وهو إما أن يكون موتا طبيعيا ، أو في حدث من الأحداث ، كالحرب وغيرها . .