عبد الكريم الخطيب
610
التفسير القرآنى للقرآن
ففي هذا الطين الذي قد تنبو عنه العين ، ويتحاشاه النظر حسن رائع ، وجلال مهيب ، إذا استطاع الناظر أن ينفذ إلى ما وراء هذا الظاهر الذي يراه ، وأن يتجاوز هذه القشرة السوداء المعتمة من الطين . . فإن وراء هذه القشرة ، عالما يموج بألوان زاخرة ، زاهية من الحياة . . فما هذه الأناسىّ التي تتحرك على ظهر الأرض ، وتملأ الحياة حركة وعمرانا ، إلا بعض هذا الطين الذي نمشى عليه ، وننطلق فوقه ! ! . . وإذا عجز إدراك الإنسان عن أن يرى في مرآة هذا الطين صورته ، ويعرف الرّحم الذي تفتق عنه ، فلينظر في وجوه الأرض ، وما عليها من ألوان الزهر ، وأصناف الشجر ، وأنواع الثمر . . « وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » ( 4 : الرعد ) . فهذا الطين ، ليس في عين ذوى البصائر طينا ، جامدا ، صامتا ، كئيبا ، وإنما هو الجمال كله ، والحسن كله ، تفتقت عنه - بقدرة العزيز الرحيم - هذه الحياة المتدفقة من إنسان ، وحيوان ، ونبات ! فبدأ خلق الإنسان من طين ، هو نقطة الابتداء ، التي يبدأ العقل مسيرته منها ، إلى حيث يلتقى بالإنسان في أكمل صورته ، وأعظم مواقفه . . وعندئذ يرى كيف تدبير اللّه ، وقدرته ، وكيف علمه ، وإحسانه ، ورحمته . . فما أبعد ما بين الطين والإنسان ، في عين من لا يحسن النظر ، ويمعن التفكير ، وما أقرب ما بين الطين والإنسان ، في عين من ينظر ، فيحسن النظر بعقله وبقلبه جميعا . . فمن هذا الطين ، كان الأنبياء والرسل ، والقادة ، والمصلحون ، والعباقرة . . ومن هذا الطين كانت تلك الشموس المضيئة التي زينت الأرض كما زينت الكواكب والنجوم وجه السماء !