عبد الكريم الخطيب
611
التفسير القرآنى للقرآن
قوله تعالى : « ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ » . . وهذه لفتة أخرى إلى قدرة العزيز الرحيم ، يرى فيها الإنسان نفسه ، لا في هذا الطين ، الذي ربما كانت كثافته حائلا بينه وبين نظره الكليل أن يرى وجوده فيه . . فهناك النطفة ، التي يعلم الإنسان - كل إنسان - عن يقين أنه ثمرتها ، وأنها البذرة التي جاء منها . . فأين تلك النطفة . . من هذا الإنسان ؟ « فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ » . ( 5 - 7 الطارق ) . وفي وصف النطفة بأنها ماء مهين ، إشارة إلى أنها شئ رخيص مبتذل ، لا يرى فيها الإنسان شيئا ذا بال ، فما هي إلا ماء مستقذر . . هكذا يبدو في ظاهر الأمر . . ولكن إذا نظر إليه نظرا متأملا متفحصا ، رأى أنه هو هذا الإنسان ، قد أجمل في هذه القطرة من الماء ! ثم فصّل فكان هذا الخلق السّوىّ ، الذي توّج بتاج الخلافة من اللّه على هذه الأرض ! قوله تعالى : « ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ » . وهذه أيضا لفتة أخرى ، يرى فيها الناظر إلى الإنسان في مسيرته من النطفة إلى الوجود البشرى - يرى كيف تحركت هذه النطفة ، وكيف نمت كما ينمو النبات ، حتى إذا بلغت في رحم الأمّ مرحلة محددة ، نفخ فيها الخالق من روحه ، فبعث فيها الحياة ، حتى إذا تم نضجها ، دفع بها الرحم إلى هذه الدنيا ، قطعة من لحم ، مصورة في هيئة بشر ، لا سمع ، ولا بصر ، ولا إدراك . . ثم لا يلبث هذا الوليد حتى يكون له السمع والبصر والإدراك . . وإذا هو هذا الإنسان ، كما هو في كل موقع من مواقع الحياة . .