عبد الكريم الخطيب

601

التفسير القرآنى للقرآن

افْتَراهُ » ؟ ولم لم يجر الخطاب على هذا النسق في قوله تعالى : « بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ . . ؟ » والجواب على هذا - واللّه أعلم - هو أنه لما كان الافتراء ، مما لا يليق بمقام النبوة ، ولا يصح أن يطوف بحماها ، فقد كان إكرام اللّه سبحانه وتعالى لنبيه الكريم ، وإحسانه إليه ، ورفعه لقدره ، أن عزل سمعه عن أن يواجه بهذا المكروه من القول الذي يقوله المشركون فيه ، وحتى أنهم وإن أرادوا النبي به ، فإنما هو مصروف عنه إلى غيره ، ممن يصح أن يكون منه افتراء . . وهذا - فوق أنه تكريم للنبي ، وإعلاء لقدره - هو أدب سماوي ، وإعجاز قرآني ، في تصوير الوقع ، وضبطه على أحكم ميزان ، وأعدله ، وأقومه . . أما حين يكون الأمر مما يخص النبي ، ويتعلق برسالته ، ويحقق صفته ، فإنه يكون من مقتضى الحال أن يواجه النبي بالخطاب ، وأن يتلقى ما يخاطب به في مشهد وحضور ، فذلك أرضى لنفسه ، وأهنأ لقلبه . . ولهذا جاء قوله تعالى : « بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ » . - وقوله تعالى : « أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ » هو إنكار لتلك المقولة المنكرة التي يقولها المشركون في كتاب اللّه . . فهم في هذه القولة ، يرتكبون جنايتين : أولاهما : اتهام النبي بالكذب والافتراء . . وهم على علم بأنهم كاذبون مفترون ، إذ أنهم يعرفون صدق هذا النبي ، الذي لم يعرف الكذب في حياته ، ولم يجربوا عليه كذبة منذ عرفوه ، صبيا ، وشابا ، وكهلا . . وثانيتهما : أنهم يفترون الكذب على هذا الكتاب ، وهم يرون بأعينهم آيات الحق مشرقة في كل كلمة من كلماته ، ومع كل آية من آياته ! فلو أنهم اتهموا النبي لردّهم عن هذا ما رأوا من صدق الكتاب نفسه ، ولو أنهم اتهموا الكتاب لصدّهم عن ذلك ما عرفوا