عبد الكريم الخطيب

1352

التفسير القرآنى للقرآن

لآلهتهم تلك التي يعبدونها عقول كعقولهم ؟ وهل يعقل أن يكون المعبود ، دون العابد في شئ ؟ . . إنهم هم أنفسهم لا يرضون بهذا ، لا يرضون لأحد أن ينزل آلهتهم من هذه السماء التي ينظرون من أرضهم إليها . . فهذه الدّمى عاقلة ، وإن كانت من حجر منحوت ، أو خشب منجور ، أو معدن مصنوع . . ! ! وهل يرى الأطفال في الدّمى واللعب التي بين أيديهم إلا شخوصا حية ، عاقلة ، يناجونها ، ويلقون إليها بأمانيهم ، وخواطرهم . . إن هذا من ذاك سواء بسواء . . ! وقوله تعالى : « وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً ، وَلا نُشُوراً » هو بيان لصفات أخرى ، من صفات هذه الآلهة . . فهي مخلوقة غير خالقة ، وهي لا حول لها ولا طول ، إذ أنها في جمودها هذا لا تستطيع التحول من حال إلى حال ، ولا الحركة من مكان إلى مكان . . حتى لو أرادت أن تحطم نفسها ما استطاعت ، ولو أرادت أن تدفع عنها يد من يحطمها ما كان لها إلى ذلك من سبيل . . إنها باقية على حالها تلك ، إلى أن يطرقها حدث من الأحداث ، فيغير من وضعها ، كيف يشاء ، دون أن يكون لها موقف . . إيجابا ، أو سلبا . . وهل يملك الجماد شيئا إلا أن يجمد على ما هو عليه ، حتى تجىء إليه قوّة من الخارج ، فتحدث فيه ما تحدث من تغيير وتبديل ؟ . . وقدّم الضّرّ على النفع ، لأن جلب الضرّ أيسر من تحصيل النفع . . فالإنسان يستطيع أن يضر نفسه بأيسر مجهود ، بل وبلا مجهود أصلا ، وحسبه أن يقف في طريق الحياة من غير حركة ، فإنه إن فعل ، سيجد ألوانا من الضرّ والأذى تزحف إليه من كل اتجاه . . وليس كذلك تحصيل النفع ، فإنه يحتاج إلى بذل ، وجهد ، هو الثمن المقابل لهذا النفع ، كيلا بكيل ، ووزنا بوزن . .