عبد الكريم الخطيب

1353

التفسير القرآنى للقرآن

وهذه الجمادات - ومنها تلك الأصنام - لا تملك أن تتحول من حال إلى حال أبدا ، سواء في الاحتفاظ بوضعها ، أو التحول عنه إلى وضع أسوأ ، أو أحسن . . إنها لا تملك « موتا » لنفسها ، وذلك بتحطيم صورتها التي تشكلت عليها ، ولا « حياة » أي إيجاد هذه الصورة من قبل أن توجد ، « ولا نشورا » أي إعادة هذه الصورة بعد تحطيمها . . هذا شأنها مع نفسها . . عجز مطلق واستسلام صامت . . فهل يمكن - مع هذا - أن يكون لها حيلة مع غيرها ، في دفع ضر ، أو جلب نفع ؟ ذلك محال . . وأبعد منه استحالة ، أن تقدر على إماتة حي ، أو إيجاد حي ، أو بعث ميت . . فذلك مما عجز عنه الأحياء . . والذي لا يملكه إلا خالق الحياة ، وموجد الأحياء . . اللّه رب العالمين . . قوله تعالى : « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ . . فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً » . تكشف الآية هنا عن وجه هؤلاء الذين ذكرتهم الآية السابقة بضمير الغيبة ، دون أن تذكر صفتهم ، أو ترجع هذا الضمير إلى مذكورين من قبل ذلك في قوله تعالى : « وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً » : - ففي قوله تعالى : « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ » . . إشارة دالة على أن هؤلاء الكافرين الذين يقولون هذا القول المنكر في القرآن الكريم - هم أولئك الذين اتخذوا من دونه آلهة ! وإنك لو ذهبت تضع كلا من الآيتين مكان الأخرى ، لا استقام النظم . بل إنك لو كنت الذي يحدّث بهذا الأمر ، ويصوغ هذا القول ، لما ذهبت غير هذا المذهب فجعلت تكذيب المشركين بآيات اللّه ، واتهامهم الرسول بالكذب