عبد الكريم الخطيب

1296

التفسير القرآنى للقرآن

قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ » . . في هذه الآية ، والآيات التي بعدها ، استعراض لقدرة اللّه ، وبسطة نفوذه ، وسلطانه المتمكن في هذا الوجود ، والآخذ بناصية كلّ موجود . . وذلك بعد أن عرضت الآيات السابقة مثلا لنور اللّه سبحانه وتعالى ، الذي يملأ الوجود كله ، ويسرى في كيان كل ذرة فيه ، ويقيمها المقام المناسب لها في ملكوت السماوات والأرض . . وأن هذا النور قد اهتدى به المهتدون ، فأسعدهم اللّه وأرضاهم ، وأنزلهم منازل السعادة والنعيم ، على حين قد عمى عن هذا النور ، الضالون ، والمشركون ، والكافرون ، فأذاقهم اللّه الوبال والخسران ، وأنزلهم منازل الهون والشقاء . . وفي هذا العرض الذي تعرض فيه هذه الآية والآيات التي بعدها ، ما لله سبحانه وتعالى من قدرة وسلطان - في هذا العرض تثبيت لإيمان المؤمنين ، وربط على قلوبهم ، وتوثيق للصلة التي أقامها الإيمان بينهم وبين ربّهم . . ومن جهة أخرى ، فإن في هذا العرض دعوة مجدّدة إلى الكافرين ، والمشركين ، والمنافقين ومن في قلوبهم مرض - أن يعيدوا النظر في موقفهم هذا الزائغ المنحرف عن سواء السبيل ، وأن ينظروا في هذه المعارض التي تعرضها تلك الآيات لجلال اللّه ، وقدرته ، وعظمته ، ففيها نور اللّه لمن يلتمسون النور ، ويطلبون الهدى . وقوله تعالى : « أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » . . الرؤية هنا معناها العلم الذي يجئ عن بحث ونظر . . وهو خطاب للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، يخاطب به كلّ من هو أهل للخطاب . . ثم هو دعوة إلى النظر والتدبّر في هذا الوجود . . وعن هذا النظر وذلك التدبر يستطيع الإنسان أن يرى انقياد الوجود كلّه للخالق جل وعلا ، وولاءه له ، وعبوديته لذاته ، وخضوعه لجلاله . . وبهذا يعلم أن كل ما في السماوات والأرض يسبّح بحمد اللّه