عبد الكريم الخطيب
878
التفسير القرآنى للقرآن
وإنما هذا الاختلاف في ذاته ، دليل على وجوده ! ولعل أول إحساس بالخير ، جاء عن طريق إحساس مادىّ ، يقع على الجسد من أمور تتصل بحاجات الإنسان الجسدية ، التي تمسك عليه الحياة ، وتدفع عنه أسباب الفناء فالشىء الذي كان يسدّ حاجة الإنسان البدائي ، ويشبع جوعته - أيا كان هذا الشيء - هو خير وخير كثير . . من أجل هذا كانت تلك الموجودات من حيوان أو نبات أو جماد ، معبودات للإنسان الأول ، حيث ظهرت له ، في صورة نافعة أو ضارة ، وذلك ليرجو خيرها ، ويدفع شرها . . ومن هنا كان تعدد الآلهة التي عبدها الإنسان في خطواته الأولى في الحياة . . فعبد كل شئ ، إذ كان يرى مصيره مرتبطا به ، في مجال النفع والضر على السواء . . ثم حين خطا الإنسان خطوات إلى الحياة ، وتعرف على وجوه الأشياء ، وأخضعها لسلطانه - ترك عبادتها شيئا فشيئا ، ثم ما زال بها يدفعها عن مقام التأليه والتقديس حتى انتهى به الأمر إلى جمعها جميعا تحت دائرتين : دائرة تسع كل ما هو خير ، وأخرى تجمع كلّ ما هو شر . . فالخير جميعه يصدر عن قوة عليا ، كما أن الشرّ كله يصدر عن جهة عليا كذلك ، تناظر قوة الخير ، وتقابلها . . وهكذا انتهى الإنسان في مرحلة متأخرة من حياته إلى عبادة الخير ، والشر ، ولم يستسغ أن يجمع بين الخير والشر في دائرة واحدة ، فيجعلهما صادرين عن قوة واحدة عليا . . لأنه فهم أن الخير لا يلتقى أبدا مع الشر ، وأن الذي يصنع الخير ، لا يصنع الشر !