عبد الكريم الخطيب

879

التفسير القرآنى للقرآن

فلسفة المثنوية : وقد اطمأن الإنسان إلى هذا المعتقد ، واجتمعت له فيه ، نفسه المشتتة ، وعاد إليه فكرة اللاهث ، الذي كان يجرى وراء كل هذه الآلهة التي لا حصر لها . . ومنذ هذا الوقت استطاع الإنسان أن يتأمل ، وأن يطيل التأمل في هذين الإلهين ، اللذين احتويا جميع الآلهة ، وانتزعا كل سلطان على هذا الوجود . . ولقد نشأ عن هذا التأمل الطويل العميق في هذين الإلهين ، فلسفة لها أسلوبها الذهني والمنطقي ، ولها أحكامها القائمة على البرهان والاستدلال . . ولعلّ أقدم نظر لبس ثوب الفلسفة في العقيدة « المثنوية » هو نظر حكماء الفرس ، الذين انتهى بهم الرأي إلى القول بإلهين يحكمان العالم ، ويتحكمان في مصيره ، وهما : إله الخير ، وإله الشر . . وقد رمزوا لإله الخير بالنور « يزدان » ولإله الشرّ بالظلام « أهرمن » . وقد تفرقت بفلاسفة الفرس وحكمائها السبل حول النظر في هذين الإلهين ، وسلطان كل منهما في هذا العالم ، وفي الصدام والصراع الذي لا بد أن يقع بينهما ، إذ كانت طبيعة كل منهما على خلاف حادّ مع طبيعة الآخر . فذهب فريق منهم إلى أن « يزدان » - وهو النور - أزليٌّ قديم ، وأما « أهرمن » - وهو الظلام - فحادث مخلوق . . وفي زمن متأخر جاء « زرادشت » بمذهب يخالف هذا المذهب ، فقال : إن اللّه واحد قديم ، لا شريك له ولا ضد ولا ندّ . . وهو الذي خلق النور والظلام ، ولا يجوز أن ينسب إليه وجود الظلمة . . ولكن الخير والشرّ ، والصلاح والفساد ، والطهارة والخبث ، إنما حدث بامتزاج النور والظلمة ، ولو لم يمتزجا لما كان للعالم وجود ! !