عبد الكريم الخطيب

1161

التفسير القرآنى للقرآن

أخطأهم كله أو بعضه ، أفلت من أيديهم هذا السرّ ، الذي يفتحون به مغالق الحياة ، ويذللون به ما تأبّى عليهم منها . . فالحق ، هو هذا المحيط العام الذي تصب فيه روافد الحقائق التي يقوم عليها نظام الوجود ، والموجودات جميعا . . - وفي قوله تعالى : « وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ » . إشارة إلى أن أىّ اختلال يدخل على الحق ، في أي موقع من مواقعه ، وفي أي ذرة من ذرات الوجود كله ، من شأنه أن يفسد نظام هذا الوجود في أرضه وسمائه ، وفيما في أرضه وسمائه . . ذلك أن الحق - كما قلنا - كيان واحد . . إنه أسباب ومسببات يأخذ بعضها برقاب بعض . . من الذرة إلى النجوم والكواكب . . فكل سبب يقوم على سبب ، ويقوم عليه سبب ، وهكذا في سلسلة متصلة الحلقات ، وقطع أي حلقة ، هو قطع لهذا الشريان ، الذي يغذى كيان الحق ، ويحكم نسجه . . فلو أنه دخل على الحق ، بعض ما في نفوس هؤلاء المشركين من هوى وضلال ، ثم صار هذا الهوى قوة عاملة في الوجود ، لأدخل الخلل على نظام الوجود كله ، ولفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ! ! قوله تعالى : - « بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ » . أي أن الحق لم يتبع أهواء هؤلاء المشركين ، ولم يجئهم الرسول بما تشتهى أنفسهم ، بل جاءهم بالحق ، الذي فيه ذكرهم . . أي رفع قدرهم ، وعلوّ إنسانيتهم ، لو أنهم اتبعوه ، واستقاموا عليه . .