عبد الكريم الخطيب
1121
التفسير القرآنى للقرآن
ولكن النظم القرآني ، خالف هذا ، وجاء بالتعبير عن « الجعل » بلفظ « الخلق » . فالنطفة لم تجعل علقة ، وإنما خلقت علقة . . « ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً . . » والعلقة لم تجعل مضغة ، وإنما خلقت مضغة . . « فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً . . » وهكذا المضغة ، لم تجعل عظاما ، وإنما خلقت عظاما . . « فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً . . » فما سر هذا ؟ بل ما أسرار هذا ؟ وما ذا وراءه ؟ السرّ في هذا - واللّه أعلم - أن كلّ عملية من هذه العمليات ، هي خلق جديد ، لا يملكه إلا الخالق جل وعلا ، وهو مما استأثر به سبحانه وتعالى وحده ، فسمّى ذاته « الخالق » وأبى على خلقه أن يشاركوه في هذه الصفة . . ومعنى هذا ، أنه لا يمكن للإنسانية كلها - وإن اجتمعت - أن تنتقل بالإنسان في هذه الأطوار من طور إلى طور . . وأن قدرة الناس - ولو اجتمعت - لا تستطيع أن تنتقل بالنطفة إلى العلقة ، ولا بالعلقة إلى المضغة . . وهكذا . . إنها جميعها - كما قرر القرآن - عمليات « خلق » ، استأثر بها الخالق . . وإنها لمعجزة قرآنية متحدية ، قائمة على التحدي في كل زمان ومكان . . وإنه لن يأتي العلم أو العلماء - مهما بلغ العلم ، واجتهد العلماء - بما يقف لهذه المعجزة المتحدية ، على مدى الأزمان . نقول هذا ، لا لنحجر على العلم ، ولا لنقف في طريق العلماء ، الذين يحاولون الوصول إلى « خلق » الكائن الحىّ . . بل نحن ندعو العلم ، ونهيب بالعلماء أن يجروا في هذا الميدان إلى غايته ، وأن يتحدّوا هذه المعجزة المتحدية . . فتلك هي دعوة القرآن للكشف عن إعجازه ، والدعوة إلى الإيمان بأنه تنزيل من ربّ العالمين . .