عبد الكريم الخطيب

1118

التفسير القرآنى للقرآن

وانحدار سريع إلى عالم التراب ، مع الهوام والحشرات ! قوله تعالى : « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ » . السلالة : الأصل ، وكأنها السلسلة التي يمتد عليها أصل الشيء ، ويصل بين مبدئه وغايته ، وهذا يشير إلى أن الإنسان قد مرّ في أطوار كثيرة بين عالم التراب ، وسار مسيرة طويلة في سلسلة متصلة الحلقات . . من التراب إلى الطين ، ثم من الطين إلى الحمأ المسنون ، ثم من الحمأ المسنون إلى الصلصال ، كما يقول تعالى على لسان إبليس - لعنه اللّه - : « قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ » ( 33 : الحجر ) . . ثم من هذا الصلصال إلى عالم النبات . . من الطحالب . . إلى النخلة ، ثم من عالم النبات إلى الحيوان ، من الجرثومة . . إلى الإنسان . . ! وقد عرضنا لقضية خلق الإنسان في الجزء الأول من هذا التفسير . . قوله تعالى : « ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ » . هو إشارة إلى أن هذا الإنسان الذي أخرجته القدرة الإلهية من بين هذا التراب بشرا سويّا ، ما هو إلا هذه النطفة التي اختصرت وجوده كله ، واشتملت على كل ما في كيانه من قوى عاقلة ، ناطقة ، مبصرة ، سميعة ، مريدة ، فما النطفة إلا الإنسان مضمرا في كيانها ، وما الإنسان إلا النطفة سابحا في محيطها متحركا في فلكها . . والقرار المكين ، المودعة فيه النطفة ، هو الحبل المنوىّ ، الذي يمتد بين